د. قاسم بن محمد الصالحي|
في ساحة الاقتصاد، لا تقلّ المعادلاتُ السكانية أهميةً عن المعادلات المالية. فالأرقامُ ليست مجرد إحصاءات جامدة، بل هي نبضُ المجتمع واتجاهُ البوصلة نحو المستقبل. وعندما نقرأ أن في القطاع الخاص أكثر من مليوني عامل وافد، مقابل نحو مئتين وخمسة وستين ألف مواطن، ندرك أن ميزان العمل قد مالت كفّتُه على نحوٍ يستدعي التوقف والتأمل والمعالجة.
إنّ هذا التفاوت ليس مجرد خللٍ عددي، بل هو اختلالٌ هيكلي ينعكس على البنية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للدولة. فحين تهيمن العمالة الوافدة منخفضة التكلفة على معظم القطاعات التشغيلية والإنتاجية، يضعف حافز القطاع الخاص لتوظيف المواطنين، وتتسع الفجوة بين الأجور، وتغيب العدالة في فرص العمل، وتصبح الكفاءة الوطنية متوارية خلف الأيدي المستقدمة.
إن استمرار هذا الواقع يحمل مخاطر متراكبة؛ فاقتصادياً، تتسرب مليارات الريالات سنوياً في صورة تحويلات مالية إلى الخارج، بينما يعاني شباب الوطن من قلة الفرص. واجتماعياً، يختل النسيج القيمي في بيئات العمل حين تغيب اللغة المشتركة والثقافة الواحدة. وتنموياً، يعجز الاقتصاد عن التحول من “اقتصاد الأيدي الرخيصة” إلى “اقتصاد العقول المبدعة”.
لكن الصورة ليست قدَراً، بل فرصة لإعادة التوازن إن أُحسن التعامل معها. فالحل لا يكمن في الإقصاء، بل في إعادة هيكلة السوق بمنهجٍ واقعيٍ متدرّج، يضع سقوفاً للعمالة الوافدة ويمنح الحوافز للمؤسسات التي تستثمر في المواطن تدريباً وتشغيلاً. كما أن تأهيل الشباب العماني تأهيلاً مهنياً نوعياً، وربط التعليم بسوق العمل، سيحوّل التحدي إلى طاقة إنتاجٍ وطنية متجددة.
إنّ بناء اقتصاد وطني متين لا يقوم على الكمّ، بل على الكيف. فحين يتوازنُ العَرضُ بين الأيدي الوافدة والسواعد الوطنية، وحين يجد المواطن في القطاع الخاص أفقاً كريماً وطموحاً مجزياً، يتحوّل العمل من وظيفةٍ إلى رسالة، ومن عبءٍ إلى شرفٍ ومسؤولية.
فما بين الأرقام الباردة والحقائق الساخنة، تظل السواعد العمانية هي الرهان الأكبر لبناء اقتصادٍ متزنٍ، لا يتكئ على الغير، بل يقف على أرضه بثقةٍ واقتدار.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة