د. قاسم بن محمد الصالحي |
حين يزور رئيس الجمهورية التركية سلطنة عُمان، لا تكون الزيارة حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل فصلاً جديداً يُضاف إلى سجل العلاقات التي خطّها التاريخ بالحبر الإنساني قبل السياسي. فبين مسقط وأنقرة خيوطٌ من المودة تمتد أعمق من حدود الجغرافيا، تربط بين أمتين التقتا على الإيمان بالإنسان، وبأن السلام ليس خياراً تكتيكياً، بل منهج حياةٍ ورؤية حضارة.
الزيارات الرسمية بين القادة تصنع التاريخ من جديد، لأنها تُعيد توازن الصورة بين الشعوب، وتُزيل شوائب الروايات المسبقة، وتُقرّب المسافات التي تباعدت بفعل السياسة أو الإعلام أو غشاوة الجهل المتبادل. فحين يلتقي القائدان العُماني والتركي، يلتقي في الحقيقة وجدانان حملا رسالة الوسطية، واحتفيا بالثقافة كجسرٍ للحوار، وبالتراث كذاكرةٍ تحفظ النور من أن يُطفأ.
عُمان وتركيا تمثلان نموذجين لحضارتين عرفتا البحر طريقاً، والتاريخ رفيقاً، والإنسان قيمةً لا يُساوم عليها. من عُمان انطلقت المراكب نحو الشرق والغرب، حاملةً البخور والعلم والتسامح، ومن الأناضول بزغت دولة امتدت بأفكارها وروحها إلى العالم الإسلامي كله.. وفي تلاقي هاتين الروحين، تتجدد فكرة “التاريخ المشترك” لا بوصفه ماضياً، بل مشروعاً مستقبلياً.
إن الزيارة الرسمية للرئيس التركي إلى السلطنة تفتح آفاقاً جديدة للسياحة الثقافية والمجتمعية، وتُعيد تعريف العلاقات بين الشعوب من خلال الفنون، والتراث، والتعليم، والتبادل الإنساني. فكل معرضٍ فني مشترك، وكل فعالية ثقافية متبادلة، هي ترجمة لدفء هذه الزيارة، ولرسالتها الأعمق: أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط بالمصالح، بل بالمحبة التي تزرعها المواقف الصادقة.
إن الشعبين العُماني والتركي يتشابهان في روح الضيافة، وفي احترامهما للتنوع، وفي إيمانهما بأن التسامح ليس ضعفًا، بل قوةٌ أخلاقية تُعلي من شأن الإنسان. ومن هنا تأتي هذه الزيارة لتُعزز هذا المعنى، ولتقول للعالم إن التحالف بين الحكمة العُمانية والبصيرة التركية ليس تحالف مصالح، بل التقاء قيمٍ تسعى لأن يكون العالم أكثر توازناً وإنسانية.
الزيارات الرسمية إذن ليست رسائل سياسية فحسب، بل رسائل وجدانية، تُعيد رسم الجسور بين القلوب قبل أن تُوقّع على الأوراق. وما بين عُمان وتركيا، يمتد جسرٌ من نور، يحمل وعدا بمستقبلٍ يتسع للجميع، وينبض بالتسامح، وينمو على حبّ الآخر والإيمان بإنسانيته.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة