مقال | حين يصبح المواطن شريكًا في صناعة الجمال

د. قاسم بن محمد الصالحي |

ليس الجمال في المكان وحده، بل في العين التي تراه، واليد التي تحافظ عليه، والعقل الذي يحوّله إلى قيمةٍ ومعنى. فالمجتمعات التي تُدرك مقوماتها السياحية لا تكتفي بالتغنّي بها، بل تجعل منها مورداً للهوية، ومنطلقاً للتنمية، وجسراً بين ماضيها وحاضرها.

إنّ البلدان التي حباها الله بطبيعةٍ ساحرة وتنوّعٍ جغرافيٍ فريد، كسلطنة عُمان، تمتلك كنوزاً لا تُقاس بثمن، تمتد من سواحلها الممتدة على بحرٍ لا ينام، إلى جبالٍ تحضن الغيم، وصحارى تنطق بالشعر، وواحاتٍ تحتفظ بذاكرة الماء والزمن. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقومات لا تتحقق إلا حين يُصبح المجتمع شريكاً في اكتشافها وصيانتها وتطويرها.

السياحة ليست مجرد فنادق ومنتجعات، بل هي رؤية حياة، تنعكس في سلوك الناس، وفي طريقة استقبالهم للآخر، وفي تقديرهم لتراثهم، واحترامهم لبيئتهم. حين يدرك المواطن أن كل زائرٍ لوطنه هو شاهدٌ على سلوكه قبل منظره، يتحوّل من متفرّجٍ على الجمال إلى حارسٍ له، ومن مستهلكٍ للمكان إلى صانعٍ لقيمته.

إنّ إشراك المجتمعات المحلية في إدارة وتطوير المقومات السياحية يفتح أبواباً عديدة للتنمية المستدامة. فحين تُدار المشاريع السياحية بعقول وأيادٍ من أبناء المكان، تُخلق فرص عملٍ جديدة، وتُنعش الحرف التقليدية، وتُعاد الحياة إلى الأسواق القديمة والقرى التراثية، يصبح السائح حينها زائراً يشارك الناس يومهم، لا مجرد عابرٍ يلتقط صورة ويمضي.

ولعلّ التجارب الناجحة في بعض الولايات العُمانية — من تطوير القرى الجبلية والمواقع الأثرية، إلى تنظيم الفعاليات الثقافية والمهرجانات المحلية — تقدم نماذج مضيئة على أن السياحة ليست مشروع وزارة فحسب، بل مشروع مجتمعٍ بأكمله. فكل بيتٍ نظيفٍ على الطريق، وكل طفلٍ يبتسم لزائرٍ أجنبي، وكل حكايةٍ تُروى بصدقٍ عن المكان، هي جزء من منظومة السياحة الوطنية.

ولكي تستفيد المجتمعات من هذه المقومات على الوجه الأمثل، لا بد من نشر الوعي بأن الجمال ثروةٌ إذا أُهملت تلاشت، وإذا حُميت ازدهرت. يجب أن تُدرج الثقافة السياحية في التعليم، وأن يُمنح الشباب الفرصة ليكونوا روادًا في الإرشاد، والابتكار في الخدمات، والاستثمار في التجارب البيئية والضيافة المحلية.

إنّ تنمية السياحة مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتنتهي عند الدولة، فالدولة تهيّئ البنية الأساسية وتسنّ التشريعات، والمجتمع يمدّها بالروح، وبالإبداع، وبذلك الحس الجمعي الذي يجعل من المكان ذاكرةً حية، لا سلعةً تجارية.

وحين يدرك الإنسان أن صيانة شجرةٍ أو بيتٍ أثريٍ أو طريقٍ جبليٍ هي صيانة لصورته أمام العالم، يتحول من مواطنٍ مقيم إلى شريكٍ في صناعة الانطباع الأول عن وطنه.. تلك هي السياحة بمعناها الأعمق: أن نحيا الجمال قبل أن نعرضه، وأن نكون نحن الوجه الحقيقي الذي يراه الزائر قبل أن يلتقط أول صورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*