مقال| عُمان وبيلاروسيا.. حين تلتقي الرؤى في دروب الحكمة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية بيلاروسيا في لحظة عالمية تختبر فيها الدولُ معنى الاتزان في زمن الاضطراب، ومعنى السيادة في زمن التحالفات المتكسّرة. ليست الزيارة حدثًااً بروتوكوليًا بقدر ما هي خطوة في مسيرة عُمانية تمتد جذورها في ثرى الحكمة، وتثمر في ظلال التوازن والاحترام المتبادل.

لقد درجت السياسة العُمانية منذ بواكير النهضة على أن تبني الجسور لا الأسوار، وأن تبحث في العلاقات عن المعنى الإنساني قبل المصلحة الآنية. ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقة العُمانية-البلاروسية جزءاً من نسيجٍ أوسع تنسجه عُمان بخيوطٍ من الهدوء والعقل، حيث لا تستند القوة إلى السلاح، بل إلى رأسمال الثقة والمصداقية.

في مسقط، تُصاغ العلاقات بمعايير الحكمة التي لا تعرف ضجيج الشعارات؛ فكلما تعاظم صخب العالم، ازدادت عُمان هدوءاً وتأنّياً، وهي تدرك أن البناء الراسخ يحتاج إلى عمقٍ لا إلى سرعة. أما في مينسك، فثمّة دولة تبحث عن توازنٍ في علاقاتها وسط خريطة أوروبية مأزومة، فرأت في عُمان شريكًا لا يفرض، بل يُحاور؛ لا يتزاحم على النفوذ، بل يُشارك في صياغة مساحات التعاون المشترك.

تفتح هذه الزيارة آفاقاً جديدة للتكامل في مجالات التكنولوجيا الزراعية، والصناعات الدوائية، والطاقة النظيفة، والتعليم، والأمن الغذائي، في وقتٍ يُعاد فيه رسم الممرات التجارية والاقتصادية بين الشرق والغرب. وهنا تتجلّى الرؤية العُمانية في تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والموقع إلى رسالة، فكما كانت عُمان قديمًا صلة الوصل بين حضارات البحر والمحيط، تعود اليوم لتكون بوابةً نحو توازنٍ جديد في عالمٍ يتغيّر.

إنها زيارة تُعيد التذكير بأن السياسة العُمانية ليست ردة فعل على الأحداث، بل فعلٌ مؤسّس في مسارها؛ فحيث تميل الكفّة نحو الصراع، تميل عُمان نحو العقل، وحيث تزداد الانقسامات، تختار طريق الوصل لا الفصل. إنها سياسة لا تُقاس بعدد الحلفاء، بل بوزن الثقة في المواقف، ولا تُترجم بالكلمات وحدها، بل بالفعل الهادئ والمستمر.

ولذلك، فإن زيارة جلالة السلطان إلى بيلاروسيا ليست مجرد محطة في رزنامة الزيارات الرسمية، بل رسالة إلى العالم بأن الحوار ما زال ممكنًا، وأن التنوّع في الشراكات هو طريق الاستقرار الإنساني قبل أن يكون خيارا اقتصاديا.

وهكذا تمضي عُمان، كما كانت دائمًاً، تزرع المعنى في السياسة، وتبني الصداقة بالاحترام، وتخطّ طريقها بثقة لا تعرف الضجيج. فيتردّد صدى الزيارة كحكمةٍ عُمانية جديدة تكتبها الدولة في دفاتر العالم، وتقول للعصر بلغته الهادئة: إن من يعرف أين يقف، لا يخشى إلى أين يسير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*