مقال | من التوجيهات السامية إلى الإدارة الفاعلة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

حين تصدر التوجيهات السامية من لدن جلالة السلطان المعظم، فإنها تأتي محمّلة بروح الرؤية الجامعة، ومشحونة بمقاصد عليا تسعى إلى رفعة الوطن وخير المواطن. غير أن التوجيه – في جوهره – ليس غاية في ذاته، بل هو نداء للعمل، ومفتاح لمسار يترجم الرؤية إلى واقع ملموس. وهنا يتحدد الدور الحاسم لصانعي القرار والمسؤولين في تحويل الكلمة السامية إلى برنامج إداري متكامل.

إن التوجيهات السامية تُفهم على أنها مرجعية عليا، لكنّ تنفيذها يحتاج إلى وضوح في الخطوات، وتفصيل في الإجراءات، وشفافية في الشرح والتوضيح. فالمجتمع لا يكتفي بسماع العنوان الكبير، بل يبحث في المعنى والجدوى، ويسأل عن الكيفية والنتيجة. وكلما قُدِّم الشرح المسبق، زالت مساحات الالتباس، وتضاءلت دوائر التأويل والظنون، وارتفعت الثقة في صدقية العمل وجدواه.

إن الإدارة الرشيدة لا تكتفي بتطبيق القرارات، وإنما تسبقها بالتفسير الذي يهيئ الناس لتقبّلها، ويفتح أمامهم أبواب المشاركة الواعية. فالتوضيح المبكر يقلل من الأسئلة المتكررة التي قد تُثقِل المؤسسات، ويحدّ من الشائعات التي قد تنشأ في فراغ المعلومة، ويُرسّخ الانطباع بأن الدولة تتعامل مع المواطن باعتباره شريكًا كاملاً لا مجرد متلقٍ للأوامر.

وليس من المبالغة القول إن الشرح والتوضيح عنصر من عناصر التنفيذ نفسه؛ فكما تحتاج القرارات إلى ميزانيات وخطط زمنية، فإنها تحتاج أيضاً إلى خطاب إداري واضح يفسر مقاصدها ويُظهر عوائدها. وما لم تُصغ هذه الخطابات بعناية، فإن أي قرار – مهما بلغت وجاهته – قد يواجه بحذر أو التباس يعيق نجاحه.

إن واجب المسؤول اليوم أن يكون جسراً بين التوجيه السامي والواقع العملي؛ ينقل الفكرة بصفائها، ويشرح القرار بموضوعيته، ويؤطر التنفيذ بإجراءات قابلة للفهم والتطبيق. وبهذا فقط يمكن أن تتحقق الغاية الكبرى؛ أن تُصبح التوجيهات السامية أفقاً يلتقي عنده الجميع، لا مجرد نصوص محفوظة، بل واقعاً معاشاً يؤكد صدق القول بالفعل، ويثبت أن الإدارة الرشيدة تبدأ دائماً من وضوح الكلمة قبل صرامة التنفيذ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*