مقال| التعلم الحر وقطاع السياحة العماني.. آفاق التكامل لتجارب سياحية تعليمية فريدة (1/ 3)

حمد بن محمد المحرزي|

كلية عُمان للسياحة

يعتبر التعلم وحب الاستكشاف من أهم دوافع السفر قديماً وحديثاً، حيث كان التعلم واكتساب المعرفة في القرون المتوسطة أحد أهم أسباب السفر لأبناء العوائل الثرية، فعلى سبيل المثال، كانت الرحلة الكبرى (grand tour) أحد مظاهر “الرُقي” لدى العوائل الارستقراطية الاوربية، وقبل ذلك كان التعليم أحد أهم أسباب التنقل في ظل الحضارة الإسلامية، وفي تاريخنا وحضارتنا العمانية، قصص لا تنتهي لشخصيات برز علمها وفكرها من خلال السفر بين الاقطار والمدن والقرى للجلوس في حضرة العلماء، أو لتقديم العلم والمعرفة للأجيال العمانية المتعاقبة.

مع ظهور صناعة السياحة الحديثة بنهاية القرن التاسع عشر، أتاحت الثورة الصناعية وما نتج عنها من ارتدادات اجتماعية واقتصادية المجال لشرائح المجتمع المختلفة من السفر من أجل الترفيه، حيث ارتبط السفر غالباً بدافع الهروب من الإرهاق البدني والعقلي المرتبط بمفهوم “الوظيفة” والتي تشكلت كنتيجة طبيعة للثورة الصناعية. تناغم العرض في سوق السياحة في وقتها وحتى أواخر القرن العشرين مع احتياج السيّاح لمتطلبات الترفيه، وظهرت صناعة الترفيه بمفهومها الامبريالي كأحد أهم المكونات الرئيسية لقطاع السفر والسياحة، خاصة مدن الملاهي، والمنتجعات الشاطئية، حيث أتى الترفيه كأساس لهذه المنتجات.

تطور صناعة السياحة عالمياً تناغم مع التطور الاقتصادي والمعرفي بشكل عام، حيث نضجت صناعة السياحة لتكون رافد أساسي لنمو الفرد والمجتمعات بشكل عام سواء في الجانب الاقتصادي أو الجانب المعرفي-السلوكي، وأتى التعلم الحر أحد أهم الممكنات لهذا التطور، حيث تتيح صناعة السياحة العديد من التجارب التعليمية في المواقع الطبيعية والثقافية والتي تساهم في رفع مستوى الادراك المعرفي والحسي والمهاري لدى أفراد المجتمع والمجتمع ككل، وتساهم في تشكيل السلوك الفردي والمجتمعي على حد سواء. لكن ما هو الفرق الأساسي بين التعلم الحر والتعليم النمطي؟.

التعلم الحر والتعليم النمطي

لكي نخوض في مفهوم التعلم الحر، من المهم تقديم تهيئة ومقاربة بين النمطين- التعلم الحر والتعليم النمطي. يقوم التعلم الحر على مبدأ الطوعية، والتوجيه الذاتي من قبل الفرد، والذي يأتي بدوافع شخصية يُغذيها الفضول والرغبات الشخصية المنطلقة من شغف المعرفة أو البحث عن إجابات لمواضيع ذات اهتمام شخصي أو مجتمعي عام، في المقابل ينطلق التعليم النمطي من معايير تعليمية ومقاييس وأهداف محددة ضمن اُطر ومناهج بنيوية محددة الهدف والمخرجات، حيث يقع التعلم في بيئات محكومة الأنظمة والقوانيين. في المقابل، يحدث التعلم الحر في الفضاءات المفتوحة كالمتاحف أو المواقع التراثية والثقافية، والطبيعية، أو البحث الحر عن طريق الفضاءات الالكترونية. 

تتميز عمليات التعلم الحر بالمرونة والمقدرات والمهارات والبنية المعرفية التراكمية للفرد، تحكمها وتوجهها قوة الرغبة في استثمار الوقت والجهد العقلي وفي بعض الأحيان البدني لاكتساب المعرفة أو المهارة، على سبيل المثال، تختلف المدة التي يقضيها زائر لزائر في موقع تراثي للتعلم عن الموقع حسب قوة الرغبة، وفي هذا السياق، يجب الإشارة إلى السياق الذي تتم فيه عملية التعلم الحر، حيث يتشكل التعلم الحر ضمن بيئات اجتماعية وثقافية وتكوينية، يكون الزائر (المتعلم) المسؤول عن تعلمه، واستثمار وقته وجهده. 

في التعلم الحر، تُعرّف النتيجة برضاء المتعلم عن تجربته ودرجة استمتاعه بالتجربة (يأتي هنا التداخل بين التعلم والمتعة أو الترفيه)، حيث إن مفهوم الترفيه والتداخل بين الترفيه والتعلم أحد الأسس التي تميز التعلم الحر، وتشير الدراسات بأن التعلم والترفيه متكاملان ومعززان لبعضهما البعض خاصة في بيئات مثل المواقع التراثية والثقافية والطبيعية. بينما تُعرف النتيجة في التعلم النمطي بالشهادة أو المؤهل، أو اجتياز دورة بدافع مهني أو وظيفي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*