مقال| حين يتأخر الوعد.. يتكلم الصمت

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في حياة المجتمعات، ليس هناك ما يترك أثراً أعمق من الوعد حين يُطلق في الناس، خصوصاً إذا جاء على لسان مسؤول أو صاحب قرار. فالوعد هنا لا يظل مجرد كلمة عابرة، بل يتحول إلى رجاءٍ يُعلّق عليه الناس آمالهم، ويتخذونه زاداً لصبرهم على واقعهم وتطلعاتهم نحو غدٍ أفضل.

لكن حين يتأخر الوفاء، أو يُترك بلا تفسير واضح، يتحوّل الوعد من نافذة أمل إلى باب مفتوح على القيل والقال، والظنون والتأويلات. ومن طبيعة المجتمعات أنها تملأ فراغ الصمت بكلام، وقد يتسرب إلى النفوس شعور بالخذلان أو الاستهانة، لا لذات المشروع المؤجل، بل لغياب المصارحة والمكاشفة في شأنه.

إن المشاريع الخدمية والاجتماعية ليست مباني من حجر فقط، بل هي أوتاد ثقة بين المسؤول والمجتمع، والتأخير فيها من دون بيان يُفقدها قيمتها الرمزية قبل المادية، ويحوّل الحلم الجماعي إلى مادة للتندر أو الإحباط.

ولعل الحكمة تقتضي أن يُعطى الوعد بقدر ما يحتمله الواقع، وأن يُقال للناس الحقائق كما هي: فالتأجيل المعلن خيرٌ من الانتظار الصامت، والاعتذار الواضح أكرم من ترك الناس يتأولون. 

فالمجتمع إذا أُشرك في الحقيقة، تقبّلها، وصبر عليها، بل ربما التفّ حولها بعزمٍ أكبر.

إننا لا نطلب المستحيل، ولا نسعى لعتاب، لكننا ندعو إلى أن يكون الوعد جسراً متيناً بين المسؤول والناس، لا قشةً يطفو عليها الكلام، ثم يغرق بها الرجاء. فالوعد عهد، والعهد أمانة، والمجتمع لا يطالب إلا بأمانة القول قبل أمانة الفعل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*