مقال | تشريح جثة الماضي.. وحياة الحاضر

د. قاسم بن محمد الصالحي| 

الماضي أشبه بجثة مسجّاة على طاولة التشريح، يلتف حولها بعض الناس، يمسكون بمشارط النقد كأنهم يبحثون عن قلب ما زال ينبض أو عن سر دفين لم يُكتشف بعد.. لكنهم في الحقيقة، لا يفعلون سوى إعادة فتح الجراح، ونكء الندوب، حتى يظل المشهد غارقاً في الدم والأنين.

على الضفة الأخرى، يقف الحاضر كطفل وليد، يمد يديه الصغيرة إلينا، يحتاج رعايتنا، عطفنا، ومجهودنا.. لكنه لا يجد من يحنو عليه بقدر ما يجد من يتركه وحيداً في المهد، منشغلاً عنه بتشريح جثة لم تعد قادرة على النهوض.. وهكذا، بين جسد ميت وطفل حي، يضيع الكثيرون في اختيار رفيق دربهم.

إن اجترار سلبيات الماضي لا يُنبت مستقبلاً، بل يُبقي العقول حبيسة قبور التاريخ.. بينما الحياة الحقيقية تُكتب بالحاضر الذي يُزرع عملاً، ويُسقى أملًا، ليُثمر غداً.. وقد قال جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – في أحد خطاباته: “إن طموحاتنا لا حدود لها، ومسؤوليتنا جميعاً أن نعمل معاً لتحقيقها”.. وهذه الطموحات لا تُترجم إلا إذا اخترنا أن نرعى الطفل، لا أن نُطيل الوقوف على جثة الماضي.

في عُمان، ونحن نفتح صفحات رؤية 2040، نحتاج إلى أن نُدرك أن التشبث بسلبيات الأمس يشبه من يزرع أشجاراً يابسة في أرض عطشى، بينما الواجب أن نغرس بذوراً جديدة تتماشى مع شمس الغد ومطره.. فالمجتمع لا ينهض بالصوت الذي ينوح على أطلال الماضي، بل بالصوت الذي يُشجّع على البناء، ويُحفّز على الإبداع، ويُؤمن أن الخطأ مدرسة، لا مقبرة.

لذلك، فلنترك جثة الماضي ترقد في سلامها، ولنأخذ بأيدينا طفل الحاضر، نُربيه بالعلم، نُغذيه بالعمل، نُلبسه ثوب الأمل.. حينها فقط، لن نجد في الغد من يكتب عن سلبياتنا نحن، بل سيكتبون عن حكمتنا في أننا اخترنا الحياة، لا التشريح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*