يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
نقف اليوم على عتبة زمن جديد، زمنٍ لا يرحم المتأخرين ولا ينتظر المتردّدين.. وهنا يُطرح السؤال: أيُّ جيلٍ نريد أن نكون؟. هل جيل الحسد والمنافسة السلبية التي تأكل قلوبنا قبل أن تأكل ثمارنا؟. أم جيل التعاون والمشاركة الذي يبني حجراً فوق حجر، ليصنع صرحاً يليق بعُمان وبنهضتها المتجددة؟.
لقد آن الأوان أن نكفّ عن اجترار ماضٍ مثقل بالخيبات، وأن نتوقف عن محاكمة الأجيال السابقة بما لم يسعفها ظرفه ولا زمانه. فما مضى قد مضى، والجلد المتواصل لذواتٍ سبقتنا لا يزيدنا إلا تراجعاً، ولا يمنحنا إلا شعوراً زائفاً بالتفوق. إنّ الإنصاف يقتضي أن نُدرك أنّ تلك الأجيال حاولت بما أُتيح لها، تعثرت حيناً ونجحت حيناً آخر، لكنّها في النهاية سلّمت الراية لجيلٍ جديد، فهل نردّ لها الأمانة باللوم أم بالامتداد؟.
التاريخ أشبه بكتاب مفتوح؛ صفحاته تحمل الأبيض والأسود، والناجح والفاشل. الحكمة ليست في أن نمزّق الصفحات التي لا تُعجبنا، ولا أن نُعيد قراءتها حتى التقيؤ، بل في أن نتعلّم منها، ونبني على ما كُتب فيها لنخطّ فصلاً أجمل.
جيل النهضة المتجددة مدعوّ اليوم لأن يكون جيل المشاركة لا الإقصاء، جيل العيون المتبصّرة لا العيون الضيّقة. نحن بحاجة إلى صدور رحبة تتسع للآخر، لا إلى قلوب تضيق بالنجاحات التي ليست لها. إنّ من يرى نجاح أخيه خصماً على رصيده، كمن يحاول حجب الشمس بكفه، فلا يجنِي إلا العتمة لنفسه.
التعاون ليس ضعفاً، بل هو سرّ القوة، والمشاركة ليست تنازلاً، بل هي ضمانة البقاء. أما المنافسة إذا سُقيت بماء الحسد، فهي كالنار التي تأكل بعضها حتى تنطفئ، وإذا سُقيت بروح الخير، صارت كالشمس التي تمنح الدفء والنور معاً.
فلنكن جيل التعاون لا جيل التنافر، جيل المشاركة لا جيل الشكوك. إنّ ما يجمعنا أكبر بكثير مما يُفرّقنا، ونجاحنا الحقيقي لا يُقاس بعدد الذين نُسقطهم في الطريق، بل بعدد الذين ننهض معهم وننهض بهم.
إنّ عُمان، وهي تُجدّد نهضتها، لا تنتظر منّا أن نُحاكم الأمس، بل أن نصنع الغد. ولا تريد منّا أن نُبدّد طاقاتنا في النظر وراءنا، بل أن نُوجّهها صوب المستقبل، مستقبلٍ نكتبه معاً بحروف التعاون، لا بخطوط التنازع.
ولنجعل من خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، نبراساً لنا، حين قال: “إن ما تحقق على هذه الأرض الطيبة من منجزات هو ثمرة جهد مشترك، ولن نتوقف عن العمل من أجل المستقبل، فكل يد تبني وكل عقل يخطط، وكل قلب يؤمن بوطنه”.
فلنرفع شعاراً يليق بجيلنا: معاً نكمل الطريق، معاً نصنع الغد، ومعاً تظلّ عُمان أكبر من كل تنافسٍ سلبي أو نظرة ضيّقة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة