مقال | ثقوب الأزمات والرافعة المشتركة.. المواطن والحكومة

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي| 

في مشهد العالم اليوم، تبدو المجتمعات كأنها تمشي على أرضٍ مثقوبة، ثقوب الأزمات لا تأتي جميعها صاخبة وواضحة، بل بعضها يتسلّل في صمتٍ، كفُقدان الثقة، أو تآكل القيم، أو ضغوط البطالة والعَوَز الاجتماعي، أو الانزلاق في ذوبان الثقافة تحت وطأة ثورات التكنولوجيا، هذه الثقوب، إن تُركت دون ترميم، فتّتت نسيج المجتمع من الداخل.

لكن الحكمة الحقيقية تكمن في إدراك أن الترميم لا يكون من جانب واحد، فالمواطن ليس متفرّجاً على مناورات الدولة، ولا الحكومة خصم تواجهه الجماهير، كلاهما رفيق في الطيران، إن تعزز أحدهما، عانق الآخر الأفق.

وفي عُمان، نسجت هذه الرؤية شرعاً في علاقة متوازنة تولت الحكومة من خلالها الاستماع والمبادرة، وفتح أبوابها لطاقات الشباب وفعّاليات المجتمع، كما قال جلالة السلطان في أكثر من مناسبة: “كل يد تبني عُمان، لها منا كل التقدير والامتنان”. ليس هذا مجرد تعبير بل منهج يُترجم إلى سياسة وعمل؛ فالدولة توفر إطاراً للمبادرات، والمواطن يعبّر عن إبداعه فيها، في دائرة متكاملة تبني الحلول بدلاً من تحميل الأزمات على طرف واحد.

ولعل التجربة المعاصرة أيضاً تُبرز هذا التوازن الرصين. فمن جهة، تحمل الدولة على عاتقها رؤية عُمان 2040، المسعى الوطني نحو تنمية متوازنة ومستقبل مستدام. ومن جهة أخرى، يكسر هذا البناء جدار الانغلاق، فتتحوّل الأزمات من تهديد إلى فرصة. فالدولة تستمع، يؤثر المواطن، ويُعاد بناء الأمل على أساس مشاركة وطنية حقيقية.

أما حين يُنتفى هذا الفهم المتبادل، تنشب الفجوة، المواطن يشعر أن صوته مسكوت عنه، والحكومة تعتقد أن التغيير واجب تنفيذه من الأعلى فقط، فيتسع الثقب، ويذوب النسيج. ولذلك، فإن الدعوة الحقيقية هي إلى أن يكون كل طرف رافعة للآخر، لا مُتلقّياً فحسب، ولا مُصدراً منفرداً.

وفي ختام القول، يكفي أن نضع نصب أعيننا تلك الرؤية التي عبّر عنها جلالته: أن النهوض لا يتحقّق إلا بشراكة واعية، كل طرف فيها يدرك مسؤولية الآخر، ويساعده على التماسك، فيخترقان سويّاً أعماق الأزمات. حينها فقط، تتحوّل الثقوب إلى نوافذ، ويُنحت من الأزمة صرحٌ جديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*