مقال| شجرة اللبان تصمد.. حتى في بحر العولمة

يكتبه : د. قاسم بن محمد الصالحي |

في عالم تتشابك فيه مصالح القوى الكبرى كخيوط عنكبوت، لم تعد الأزمات بعيدة عن القرى والحواضر الصغيرة. من هنا، تبرز عُمان بقدرتها التاريخية على تحويل التحديات إلى فرص، متسلحة بروح الاعتماد على الذات وعمق قيمها الاجتماعية.

في هذا الزمن الذي تتشابك فيه خيوط السياسة والاقتصاد والأمن على امتداد الكرة الأرضية، لم يعد ما يجري في قاعات المؤتمرات الدولية أو أسواق المال الكبرى شأناً بعيدًا عن البيوت العُمانية.

تقلب أسعار النفط، واضطراب سلاسل الإمداد، والحروب التجارية، وحتى النزاعات البيئية؛ كلها تطرق أبوابنا بصور مختلفة؛ غلاء معيشة، بطالة، تحديات خدمية، وضغوط على القطاعات الإنتاجية.

ومثلما تهب رياح المحيط الهندي على سواحلنا من مسقط إلى ظفار، تهب رياح الأزمات العالمية على مجتمعنا، أحياناً ببرودة تحمل فرصاً، وأحياناً بحرارة تحرق الأخضر واليابس. لكن سلطنة عُمان – بحكم تاريخها الممتد في مواجهة تقلبات البحار والبراري – تعرف أن النجاة لا تكون دائماً بانتظار سفينة إنقاذ تأتي من بعيد، بل في قدرة أهل السفينة أنفسهم على إحكام شراعها ومسايرة الموج.

الحلول الذاتية ليست رفاهية خطابية، بل ضرورة وطنية، هي أن نعيد إحياء روح “السبلة” كمكان للتشاور وحل المشكلات، لكن بثوب العصر؛ أن نحول ما هو متاح من موارد – زراعية، بحرية، صناعية، أو حتى مهارات شبابية – إلى مشاريع إنتاجية تخلق الاكتفاء وتكسر التبعية. هي أن نستنهض قيم التكافل التي ميّزت العُماني عبر قرون، حين كان الجار يقف مع جاره في الشدة قبل الرخاء.

لقد نجح العُمانيون في مراحل كثيرة من تاريخهم في تحويل التحديات إلى منصات انطلاق؛ من شح المياه الذي أنجب الأفلاج، إلى بُعد المسافات الذي أطلق أساطيل التجارة. واليوم، يمكن أن نستعيد هذا المنهج بآليات عصرية: تعاونيات إنتاجية في القرى، منصات تسويق رقمية للمنتجات المحلية، شبكات دعم اجتماعي تديرها الكفاءات الشابة، ومبادرات مجتمعية تشبك بين الحاضر والماضي.

بهذه الروح، يمكن للمجتمع العُماني أن يكون مثل شجرة اللبان في ظفار؛ جذور عميقة في الأرض، وأغصان تمتد نحو الآفاق، تصمد أمام قسوة الطقس، وتظل تعطي عبيرها للعالم. فالتشابكات الدولية قد تفرض علينا أمواجاً عاتية، لكن بحارتنا – إن وثقوا بقدرتهم – قادرون على رسم المسار، وإيصال السفينة إلى بر الأمان.

وكما قال جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، في أحد خطاباته: “إن بناء الأمم لا يتحقق إلا بسواعد أبنائها المخلصين، وإن الاعتماد على الذات هو الضامن الحقيقي لاستدامة التنمية وصون الاستقرار”.

هذه الكلمات ليست مجرد شعار، بل هي بوصلة عمل، ترشدنا في بحر التشابكات الدولية نحو مرافئ الأمان والتمكين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*