يكتبه: د. ناصر بن علي الجهوري
قد تبدأ الرحلة بخطوة، لكن أجمل الرحلات هي تلك التي تُحاك كحكاية، حيث ينتقل الزائر من مشهد إلى آخر كما لو كان يقلب صفحات كتاب نابض بالحياة. في زمن تتسارع فيه صناعة السياحة العالمية نحو التكامل والاستدامة والتجارب الأصيلة، تبرز سلطنة عُمان كوجهة فريدة تمتلك مقومات طبيعية وثقافية وتاريخية غنية، تؤهلها لبناء مسارات سياحية متصلة ومتكاملة تُسعد الحواس وتترك أثراً دائماً في ذاكرة السائح.
تشير التجارب العالمية إلى نجاح المسارات السياحية المتكاملة في تقديم تجربة غنية ومستدامة تجمع بين الطبيعة والتراث والثقافة. فعلى سبيل المثال، يربط مسار الكامينو دي سانتياغو في إسبانيا القرى والمدن التاريخية والأديرة، مقدّمًا تجربة روحانية وثقافية مدعومة بخرائط وتطبيقات رقمية تسهّل التخطيط. كما يربط مسار طريق الكاتدرائيات في فرنسا بين الكنائس التاريخية والأسواق والمهرجانات المحلية، ويعزز الاقتصاد المجتمعي عبر الحرف والفنادق والمطاعم. هذه النماذج تُعد دليلًا استرشاديًا لتطوير مسارات سياحية مشابهة في سلطنة عُمان، تراعي طبيعتها الوطنية، وهويتها، ومقوماتها الفريدة، وتحقق تجربة مؤثرة للزائرين.
تنسج المسارات السياحية في سلطنة عُمان تجربة متكاملة، حيث تتواصل المواقع البيئية والثقافية والتاريخية والترفيهية في رحلة واحدة تحكي حكاية المكان منذ بدايتها وحتى نهايتها. تزخر السلطنة بمقومات طبيعية متنوعة، من الجبال الشاهقة والسهول المورقة إلى السواحل البكر والصحاري ذات الكثبان الذهبية، إلى جانب إرث حضاري عريق يتجلى في المساجد والقلاع والحصون والأسواق التاريخية، والتراث البحري، والفنون التقليدية والموسيقى الشعبية. تمنح هذه المقومات كل مسار سياحي ثراءً متنوعا يدمج المغامرة في الطبيعة، واستكشاف التراث، وتجربة الأطعمة المحلية، ومشاهدة الحرفيين المهرة وهم يبدعون في الفضة والفخار والنسيج.
على سبيل المثال، يمكن لمسار في ولاية مطرح أن يبدأ بجولة على كورنيشها البحري الممتد، ثم زيارة قلعتها التاريخية، والتجول في أحيائها القديمة للاستمتاع بالحكايات التي تحملها الحارات الضيقة والأزقة المتشابكة، واستكشاف بواباتها وأبراجها التاريخية وأسواقها التقليدية، مع تجربة الأطعمة العُمانية الأصيلة. تمتد الرحلة أيضًا إلى المناطق الرملية القريبة لتمنح الزائر تجربة فريدة من المغامرة والتأمل، ويختتم اليوم بمشاهدة الغروب على الكورنيش. هذا السيناريو يُعد نموذجًا يُحتذى به لأي ولاية عُمانية.
وتُعد الاستدامة محورًا أساسيًا في تصميم المسارات السياحية، فهي تضمن حماية الموارد الطبيعية والثقافية لكل ولاية ووجهة، وتعزز الاقتصاد المحلي بشكل متوازن. تشمل الممارسات المستدامة استخدام وسائل النقل الكهربائية، وإعادة التدوير، وتدريب المرشدين، وتحديد الطاقة الاستيعابية لكل مسار، إلى جانب إدارة ذكية للموارد واستخدام التقنيات الرقمية لتنظيم الحركة السياحية بما يحافظ على التنوع البيئي. وتشير بيانات منظمة السياحة العالمية إلى أن السياحة البيئية تحقق نمواً سنوياً بين 7 و10% عالمياً، مع تحقيق عوائد مباشرة للمجتمعات المحلية تصل إلى نحو 65% من الإنفاق السياحي، ما يؤكد أن الاستدامة ليست خيارا بيئيا فحسب، بل استراتيجية اقتصادية واجتماعية متكاملة.
لضمان نجاح هذه المسارات، يجب تفعيل شراكات تكاملية بين القطاعين العام والخاص والجامعات والمجتمع المحلي، مع تطوير مبادرات رقمية لكل ولاية ومحافظة تشمل خرائط تفاعلية ومعلومات دقيقة عن المعالم والخدمات. هذه الشراكات والمبادرات لا تضمن فقط تجربة سياحية غنية وميسّرة، بل تحافظ على الموارد الطبيعية والثقافية، وتعزز الهوية العُمانية، وتخلق قيمة اقتصادية مستمرة للمجتمعات المحلية. وعندما تتلاقى موسيقى الأمواج مع عبق التاريخ وألوان الجبال، لا نصنع رحلة فحسب، بل حكاية حية تبقى في ذاكرة كل زائر، لتصبح كل مسار قصة متكاملة تعكس أصالة المكان وروح الإنسان العُماني.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة