يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في خضم الحديث اليومي المتسارع عن الذكاء الاصطناعي، نلمح بين السطور حالة من الانبهار، بل في أحيان كثيرة حالة من التهويل. يُخيّل للبعض أن هذه التقنية الجديدة كائنٌ فائق الوعي، قادر على التفكير المستقل، وربما على تجاوز الإنسان نفسه، وهذا التصور، وإن بدا جذاباً في السينما، إلا أنه يُخفي خلفه خطأً جوهرياً في فهم طبيعة هذا “الذكاء” الذي نحتفي به.
الذكاء الاصطناعي ليس عقلاً يولد من العدم، ولا هو كينونة واعية تقرر وتبتكر من تلقاء نفسها. إنه – بكل بساطة – أرشيف ضخم لفكرة خرجت من الذكاء البشري، ثم جرى تنظيمها وتدويرها ضمن منظومات خوارزمية. هو صورة من صور الإنسان، لا أكثر، صورة تكرر، وتقارن، وتُعيد التوليف، لكنها لا تعي أنها تفعل.
الآلة لا تفكّر، هي تُنفّذ، لا تشعر، بل تُعالج بيانات، لا تسأل “لماذا”، بل تتابع ما بُرمجت عليه من “كيف”، كل ما تملكه من قدرة على التحليل أو التوليد أو المحاكاة، هو مستمد من مدخلات الإنسان ذاته: لغته، أساليبه، معرفته، وحتى انحيازاته.
وهنا تكمن المفارقة؛ الذكاء الاصطناعي ليس “ذكاءً” بالمعنى الفلسفي أو الإنساني. بل هو محاكاة، منظّمة وفعالة، لفعل التفكير. ولأننا نحن من زرع الفكرة فيه، فكل ما يُنتج لا يعدو أن يكون صدى لما أنتجناه نحن، لا صوتاً جديداً من خارجنا.
الخطر لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في أن يغفل الإنسان عن دوره، ويظن أن بوسعه أن يُفوّض للآلة كل ما يتطلب حساً بشرياً: الفهم، الحكم، الإبداع، والتأمل. هنا فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي تهديداً، لا لأنه تجاوز الإنسان، بل لأن الإنسان تنحّى من ساحة التفكير طوعاً.
ولذا، حين نحتفي بهذا الإنجاز التكنولوجي، لا بد أن نضعه في موضعه الحقيقي؛ أداة قوية، لكنها لا تملك ذاتها، امتداد لفكرنا، لا بديل عنه، آلةٌ لا تعرف أنها آلة، وذكاء لا يعرف أنه ذكي.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة