مقال| أنا الوطن السائح في روحه

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي |

أنا؟. سؤالٌ تنبت منه شجرة التأمل، وتورق في أغصانه الحيرة، وتنحدر منه أنهار اليقين، لكنني حين أستدير إلى داخلي، أسمعُ الجواب في لهجةِ جدي، في عيونِ أمي، في جدران الطين، وفي خطوط الكفّ، أنا الأنا العُماني.

أنا الذي لا يُعرّف نفسه بصخب الشعارات، بل تسير هويتي بخُطى واثقة كأنها وضعت قدمها على طريق البخور منذ ألف عام، وتركت للريح أن تحمل عطرها شرقاً وغرباً.

أنا من سأل نفسه كثيراً: من أنا؟، فأجابته الجبال: “أنت من لم يحنِ جبهته لغير الله”، وأجاب البحر: “أنت من صنع من الموج شراعاً ومن الشراع طريقاً”، وأجاب السائح، ذلك الرحّالة الذي زار ربوع عُمان يوما فقال في قصيدة له: 

أيا عُمان يا درةَ المشرقِ …. ونجما على الرملِ لم يُطفأِ

أيا خيمةً للسلام انتصبت …. لكلِّ المسافر والمرهقِ

تنام الرمال على ضفّتيك …. وتصحو الجبال على المفرقِ

فمن أنا؟. أنا بوابة الأرض للدهشة، أنا مسقط التي تنام بحضن الجبل وتغتسل كل فجرٍ بملح البحر. أنا نزوى التي تعانق التاريخ بيد، وتصافح الحاضر بيدٍ أخرى. أنا صلالة التي تعلّم الغيم كيف يهمي في الصيف، وتحفظ للضباب أسرار اللبان، أنا صورُ التي علّمت السفن كيف تصنع نفسها، وأنا البريمي التي استقبلت القوافل، وأنا مطرح، حيث تختلط رائحة القهوة برنين الأسواق، وأنا مسندم، شرفة الوطن المطلة على أسرار المضيق، تحتضن البحر بين ذراعيها وتهمس للسفن العابرة أن ترفق بوجه البلاد.

أنا السائح حين يدخل بلادي، ولا يخرج كما دخل. بل يخرج منه شيء منّي، بعضٌ من دفء الضيافة، وحنينٌ إلى بوابةٍ من نورٍ تُدعى عُمان.

أنا الوداعة حين تفتح أبواب القرى، والدهشة حين تصعد الجبال، والسكينة حين تلامس عيون المزارع، والإبهار حين تمتد عيناك على شواطئ لا تُحصى، وسهول لا تُحدّ، وواحات تنبت فيها المعاني.

فلا تسألني من أنا؟، أنا الهوية التي لا تتبرج، والجمال الذي لا يصطنع، أنا السياحة التي لا تنفصل عن الأصالة، والتاريخ الذي لا يُختزل في متحف، بل يمشي على قدمين، في لباس النساء، وفي إزار الفلاح، وفي خنجر الطفل، وفي مجامر البيوت.

وإن كانت الأرض قد كتبت فصول حكايتها، فالغد يُمهّد لصفحاتٍ ناصعة تنتظر من يكتبها بحبر الإبداع والاستدامة. ستكون السياحة في عُمان ليست مجرد زيارة، بل تجربة شاملة تمس الروح قبل الجسد، حيث تتلاقى التكنولوجيا مع التراث، والاستثمار مع البيئة، لتنمو القرى السياحية كما تنمو شجرة اللبان. ببطءٍ حكيم، لكن بجذور عميقة. فأنا المستقبل حين يُصاغ برؤية، وحين تُبنى الهوية لا على الرمال، بل على صخر الإرادة.

نعم، أنا الأنا العُماني، أحمل شموخ الأرض، وصفاء الماء، واتساع الأفق، وما زلت أبحث، عن غدٍ يشبه هذا المجد، وغدٍ يصونه، لا يضيّعه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*