يكتبه: حمدان البادي|
تحوّلت الشجرة إلى “ترند” بعد بث المنشور التوعوي الذي أطلقته هيئة البيئة بعنوان: “العصافير فقط هي من تعشّش فوق الأشجار”، إعلان خرج عن سياقه، فبدلاً من أن يُثني الناس عن الاقتراب منها، منَحها شهرة، وروّج لها بشكل غير مقصود، وأصبحت الشجرة حديث الناس، ومحط أنظار من لم يكونوا يعرفونها من قبل. لهذا وقف السياح في طوابير لالتقاط الصور فوقها.
ذكّرتني هذه العبارة التوعوية بذلك المسؤول الذي قال: “التغريد للطيور فقط”، وذلك بعد ان شاهدت حلقة إذاعية مصوّرة بثتها “الإذاعة الأولى” على اليوتيوب، واستغرقت 55 دقيقة، كان محورها: الشجرة الـ “ترند”، شجرة لم يسمّها ضيف اللقاء، ممثل هيئة البيئة، طيلة الحوار، بل اكتفى بوصفها بـ”الشجرة”، مع إن المذيع ذكر اسمها مرة واحدة “شجرة السير” وهو اسم لم يؤكده أو ينفه الضيف، فظلّت الشجرة بلا اسم، رغم الساعة الكاملة من الحديث حولها، سوى معلومات إنشائية عامة لم توضح أهمية تسويرها ودورها في التنوع البيولوجي.
شخصيا، أجد لفظ “العصافير” جميلاً، وأكثر قبولاً من بعض المصطلحات المتداولة من الجمهور مثل “الهوش” و”الجعد” في تفاعلهم مع المنشور وإعادة نشره، وعسى ألا ينتشي البعض بنجاح هذا الإعلان ويخرج لنا بإعلانات مشابهة على سبيل المثال: “الثيران فقط من تمشي على العشب!”، بدعوى الحفاظ على المسطحات الخضراء!.
هيئة البيئة تبذل جهداً كبيراً في حماية هذه الشجرة، وقد تم مؤخرا تسييجها، لكن لا أعلم إن كانت هناك لوحة تعريفية تحمل اسمها ومعلومات عنها، مع إن “جوجل” قد يتكفل باستدعاء ما كتب عنها وأنها من الأشجار النادرة والمهددة بالانقراض، إذ تحتاج إلى 80 عاماً لتصل إلى طور النضج، وقد تعيش حتى 400 سنة، حسب ما تشير إليه بعض المصادر.
لا أفتخر بأنني صعدت فوقها لأول مرة في عام 2000 أي قبل 25 سنة، ولكن علاقة خاصة تشكلت بيني وبينها حيث تقف شامخة قبل عقبة حشير، ترحب بالسياح وتستقبلهم بكل حب، الأصدقاء، والعرسان الجدد، والعائلة، التقطوا معها صوراً أو على قمتها، لذا حين نعود إليها اليوم نعود إلى ذاكرتنا والذكريات التي تركناها هناك مع من نحب.
نثمّن جهود هيئة البيئة في العناية بالأشجار النادرة والمعمّرة، ونأمل أن يمتد الاهتمام ليشمل غرس هذه الأنواع ونشرها على نطاق أوسع، لا سيما شجرة “السِّير”، التي يمكن أن تُشكل أيقونة بيئية لظفار، جنباً إلى جنب مع شجرة اللبان، النارجيل، وغيرها من أشجار المحافظة.
والجميل إن البيئة في سلطنة عُمان تحظى باهتمام رسمي كبير إلى جانب جهود هيئة البيئة والدور الذي تلعبه أكثر من جهة منها وزارة التراث والسياحة، وحديقة النباتات، وبنك البذور، وجمعية البيئة العمانية وغيرها من الجهات ذات الصلة، مدعومة بمنظومة متكاملة من التشريعات والقوانين المنظمة.
فالحفاظ على البيئة مسؤوليتنا جميعاً كأفراد، والتوعية ضرورة في جميع محافظات السلطنة، لا في ظفار وحدها، ونأمل أن تشمل جهود هيئة البيئة كافة النباتات، لأنني – شخصياً – وقفتُ على غابة من الأشجار نمت منذ مئات السنين، لكن أحدهم ادّعى مؤخراً ملكيته لها. ولأن أحداً لم يعترض، مُنحت له رسمياً، واليوم يعرضها للبيع، في مشهد سيكتب نهاية حزينة لتلك الغابة، وهذا، للأسف، يتكرر مع التوسع العمراني، وشقّ الطرق، والمشاريع التي لا تأخذ البيئة بعين الاعتبار في الكثير من الاحيان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة