مقال| حين يُجتزأ الحرف وتُشنق البصيرة

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمن مضطرب تهتز فيه خرائط المعنى كما تهتز خرائط الجغرافيا، بات من السهل أن يُجتزأ القول كما تُجتزأ الأوطان، وأن يُشنق النص على أعمدة التهويل والتأويل، لا لشيء إلا لأن صاحبه قرأ السطر الأخير قبل أن تكتمل الفصول، وهذا تماما ما حدث مع تصريح الكاتب والمحلل العُماني علي المعشني، حين قال: «بإمكان إيران، في صفقة من تحت الطاولة مع الأمريكان، أن تحتل مكة».

عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها إن أُعيدت إلى رحم السياق، لم تكن نبوءة سوداوية ولا تمنّيا مريبا، بل كانت ناقوس خطر يُقرَع في وجه أمة تترنّح على حافة الغفلة. صاحب القول لم يكن يوزع الاتهامات يمنة ويسرة، ولا أراد إشعال حرائق في بيوت التاريخ، بل كان يرسم، بلغة الاستشراف، حدود الفوضى إذا ما استمر العرب في تسليم مفاتيح مصيرهم لطاولات لم تُصنع بأيادٍ عربية.

إن من استمع إلى المعشني بإنصاف، لا يمكن أن يُخفي عن سمعه تلك النبرة التي تجمع بين الغيرة والخوف، بين الألم من الواقع والقلق من المآل. فهو لا يتهم، بل يحذّر. لا يشمت، بل يوقظ. أراد أن يقول، بلغة الصدمة، إن المنطقة أصبحت ساحة مكشوفة لصفقات تُدار في الظل، وإن من لا يملك قراره اليوم، قد يُفاجأ غدًا بمن يطال رموزه ومقدساته في وضح النهار.

لكن للأسف، خرج بعضهم على النص، واجتزؤوا العبارة كما تُنتزع العين من محجرها، لا لشيء إلا ليصنعوا منها فتنة تُلهب المشهد، وتُشوّه القائل، وتُبقي الجماهير تائهة بين غبار التلقّي ورداء التأويل. وهكذا، تحوّل التحذير النبيل إلى اتهام، وانقلبت نبوءة الخطر إلى “تهمة خيانة”.

إن في ذلك الفهم المجتزأ اعتداءً على المعنى، وعلى الوطن، وعلى العقل ذاته. فمن لم يتعود على قراءة ما بين السطور، سيظل ضحية العنوان المضلِّل، والأذن المأجورة، والمنصة التي تصنع من كل حرف سيفًا، ومن كل سؤالٍ محرقة.

إن واجب النخبة، لا سيما في لحظات الارتباك الجيوسياسي، ألا تجبن أمام العاصفة، وألا تُحاكم البصائر بمقاييس البلاغة السطحية، وألا تترك الحرف رهينة التأويل الكسول.. فالتحليل الاستشرافي ليس ترفًا لغويًا، بل هو صفارة إنذار، تحتاج شجاعة القراءة لا هشاشة الاستفزاز.

فليُترك لصاحب الكلمة حقه في الرؤية، ولتُعرض أقواله كاملة لا مبتورة، ولتُحترم مخاوفه لا أن تُشوَّه، فما قاله لم يكن شططًا في القول، بل صرخة في زمن ترتجف فيه الأقدار على مذابح المصالح، وتُباع فيه المدن والعقائد والرموز، على موائد لا يعرف أهلها لغة القبلة ولا نداء الأذان.

وفي الختام، من الأمانة القول: ليس كل من أنذر فقد خان، ولا كل من صرّح فقد أفصح، بل قد يكون في قوله المقطوع ما يكشف عن العورة الكبرى التي تُدار من خلف الأبواب، وتُحاك بخيوط لا تُرى، لكن نتائجها تُدمي القلوب قبل الأرض.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*