يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في زوايا العالم العربي، حيث تُطوى الجغرافيا على جمرٍ لا يبرد، وتُفتح العيون على مشهد يتبدل كل يوم، لا يغيب عنك ذلك المشهد المتكرر: حدثٌ جلل يهزّ المنطقة، أو تصريح يثير الجدل، أو اشتباك في سماء السياسة، فينقسم الناس ما بين محللٍ ومُفتي، وما بين ناقلٍ ومُحرّف.
وفي قلب العاصفة، ترتفع الأصوات، لا فرق بين من سهر الليالي في فقه التحليل، ومن فتح هاتفه في غفلة الوعي، لا فاصل بين من يغوص في أعماق التاريخ والجغرافيا، ومن يقتات على فتات العناوين والمقاطع المجتزأة.
منصات التواصل، بخوارزمياتها العمياء، لا تميّز بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، يُرمى الرأي كما تُرمى الحصى في بحيرة راكدة، ويُتداول الموقف كما تُتداول النكتة، وتختلط المصطلحات الكبيرة – سيادة، تطبيع، تحالف، مقاومة – بلغة ركيكة، وأفهام مشوشة، دون حرج من الجهل ولا حياء من التسرع.
فكيف يُبنى رأي عام في ظل هذا السيل؟. وكيف تُصاغ مواقف الشعوب، حين تُقاد بحبال المتابعة اليومية، لا بالبصيرة المدروسة؟.
الذين يعلمون، يتريّثون، يحلّلون، يقرؤون ما بين السطور، ويستحضرون خريطة المصالح لا مجرد خارطة الأخبار. والذين لا يعلمون، يُصدرون الأحكام في سطر، ويحسمون مصير الشعوب بتغريدة، ويستدعون التاريخ كما يُستدعى شاهد زور.
وفي خضم كل هذا، تنادي الآية بصدقها القديم المتجدد: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟” سؤال قرآني، لكنه أبعد من الدين، إنه ميزان العقلاء في زمن الفوضى، وإنذار للمنصات التي تحولت من منابر إلى مذبحة للمعرفة.
فليكن للعلماء وقفة، وللعقلاء صوت، وليتّسع صدر النقاش، دون أن يُغتال المعنى بين هاشتاق وصدى. فالأمم لا تُبنى بالضجيج، ولا تُحمى بالمعلومات المعلّبة، بل بالذين يعلمون، ويخشون الله حق خشيته.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة