يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في أزمنة التحول، حين تضطرب البوصلة وتعلو الأصوات المتقاطعة، تكشف النصوص الكبرى عن أسرارها لمن يُنصت بعمق. ومن بين مشاهد القرآن التي تلتمع في أفق التأمل، تبرز قصة ذي القرنين لا كأثرٍ تاريخي، بل كمرآة لمأزقٍ معاصر، وكوصفة نجاة حين تشتد الفتنة، ويُخشى الانهيار من الداخل قبل الخارج.
لم يقاتل ذي القرنين يأجوج ومأجوج، ولم يُرسل إليهم تهديدا عبر الحدود، بل فعل ما لم يعد يُجيد فعله كثيرٌون: استمع، ثم قال قولته الخالدة: “فأعينوني بقوة”.
لم يُفرد جناحاً من جبروته، بل بسط يده لأمةٍ تطلب الخلاص. لم يُلقِ اللوم، بل طلب المشاركة. وهكذا اجتمع القوم، لا تحت راية سلالة، ولا في ظل شعارات عابرة، بل في وحدة هدف، وصفاء نية، وتحرر من الأنا.
جاءوه بزُبَر الحديد، نفخوا، وأوقدوا، وأفرغوا القطر. فكان السدّ. سدٌّ من نارٍ وعقل، من عرقٍ وحكمة، من علمٍ لا يُساق لمعارك العبث، بل يُسخّر لردّ الفساد، وصون العمران. وما بين كتلة الحديد والنحاس المذاب، وُلدت معادلة لا تزال غائبة عن وعي أمةٍ تملك كل الأدوات، لكنها تُصرّ على بعثرتها.
إن زُبَر الحديد في زمننا ليست معادن تُستخرج، بل مقومات تاهت: الثقة التي تسبق القرار، والعلم الذي يسبق السلاح، والعمل الجماعي الذي يسبق الانقسام، والنار التي تُوقد في مصنع الإرادة، لا في خرائب الأوطان.
في خضم ما تشهده منطقتنا من حروبٍ باردة، وصراعاتٍ ساخنة، ومشاريع تعيد رسم الخرائط بلا استئذان، تبدو القصة وكأنها تبعث برسائل جديدة: لن تُبنى جدران الصدّ بالتنازع على العناوين، ولا بالتخندق خلف الهويات الضيقة، بل حين نعيد صهر “الحديد” الذي بين أيدينا في فرنٍ واحد، وحين نكفّ عن النفخ في رماد الفرقة، لننفخ معاً في نار البناء.
ولعل الأوان لم يفت.. فما تزال بين أيدينا زُبَر كثيرة: من الإرث، من الكرامة، من الإمكانات، من النوايا الطيبة.. كل ما يلزمها: نفَسٌ واحد، وغاية واحدة، وصوت يقول كما قال ذلك الرجل الصالح ذات تاريخ: “فأعينوني بقوة”.
ساعتها، لن يكون السدُّ جداراً يفصل، بل جسراً يعبر بنا إلى زمنٍ لا تُحكم فيه الأمة من أطرافها، ولا تتآكل من داخلها، بل تعود كما أرادها الله: شاهدة، موحّدة، منيعة على الفتن، رخية على أهلها، عصيّة على من يريد بها شراً.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة