د. قاسم بن محمد الصالحي
في الأزمنة التي تشبه المرايا المتصدعة، تُعاد الحكايات القديمة بثياب جديدة، وتتشابه الأقدار وإن اختلفت الوجوه والعناوين. وما بين سقوط الخلافة العثمانية وما يُرسم اليوم لإيران، خيط رفيع من التشابه، وإن بدا للوهلة الأولى أن المشهدين متباعدان في الزمن والجغرافيا والنية.
الخلافة العثمانية كانت آخر ظل سياسي جامع للمسلمين في فضاءٍ دولي كانت فيه أوروبا تمارس الاستعمار بالسيف والخريطة، وكانت القسطنطينية حينذاك آخر سور أمام الطوفان الغربي الزاحف لاقتلاع الهوية الإسلامية من الجغرافيا والتاريخ. فكان لا بد أن تُكسر هذه الحلقة، ليبدأ بعدها مشروع التجزئة والتقسيم والتفتيت.
واليوم، وبينما ترتدي الجغرافيا عباءة جديدة ويُسمى الاستعمار بأسماء أخرى: العولمة، النظام الدولي، مكافحة الإرهاب، تجد إيران نفسها في عين العاصفة. ليس لأن إيران مشروع جامع للمسلمين كما كانت الخلافة العثمانية – فالخلافة العثمانية رفعت راية الأمة، أما إيران فترفع راية الطائفة وإن توسّعت شعاراتها لتشمل “المستضعفين”. لكنها رغم ذلك تمثل مركز ثقل يزعج التوازنات الغربية، ويقف عائقا أمام “ترتيب البيت” في الشرق الأوسط وفق المزاج الأميركي الإسرائيلي.
إنّ ما يُحاك لإيران اليوم هو إعادة إنتاج للمسرحية القديمة، مع اختلاف في النص والممثلين والديكور. كان الرجل المريض هو إسطنبول، واليوم يُراد لطهران أن تصبح “الرجل المعزول” في محيطه، تُنهك من الداخل بالمظاهرات والفقر وصراع الأجنحة، وتُحاصر من الخارج بالعقوبات والجيوش والمليشيات.
ما بين الأمس واليوم، يتكرر ذات الدرس، حين يكون هناك كيان خارج النسق الغربي، يُفتح له سجل التآمر الطويل. لا يهم حينها إن كان المشروع جامعا أو طائفيا، نزيها أو ملطخا بالدم. المهم أن الكيان “يُزعج” التدفق الطبيعي للهيمنة. لكن الفارق الأكبر هنا أن إيران ليست خلافة جامعة، بل مشروع قومي-مذهبي في إقليم مليء بالشروخ. ومن هنا، يأتي جزء من ضعفها؛ إذ يُسهل تسويق خطاب “شيطنتها” عربيا وإسلاميا.
في الخلافة العثمانية، كانت الحرب واضحة، جيوش أوروبية، احتلال مباشر، خناجر في الظهر من الحركات القومية، وتواطؤ النخب. أما اليوم فالحرب ناعمة وصلبة في آن؛ حصار اقتصادي، ضربات عسكرية مدروسة، تحريك الجبهات الداخلية، استخدام الأقليات كأدوات ضغط، ومن فوق ذلك كله آلة إعلامية ضخمة تصنع وعيا عربيا يرى في طهران عدوا قبل أن يرى في تل أبيب خطرا.
لقد أسقطوا إسطنبول لتقسيم الأرض، ويريدون الآن خنق طهران لتقسيم المعنى. إيران اليوم ليست خلافة، لكنها آخر كيان إقليمي يملك مشروعا تصادميا (بغض النظر عن نواياه أو مصداقيته) مع “إسرائيل الكبرى” والمشروع الغربي للمنطقة، لهذا السبب، ستبقى مستهدفة.
لكن ماذا بعد؟. التاريخ لا يعيد نفسه بنفس التفاصيل، لكنه يُحب أن يكتب المآسي بنفس الحبر. فكما خرج من رماد إسطنبول ذات يوم مشروع جديد (رغم ما حمله من علمنة وانسلاخ عن الإرث الإسلامي)، سيخرج من رماد الصراع اليوم شرق أوسط جديد.
والسؤال الذي يطرق جدران هذا الليل هو: من سيرث هذه المنطقة؟. أصحاب الهوية؟. أم سدنة الأسواق المفتوحة والخرائط المستعارة؟. الذين أسقطوا الخلافة العثمانية باسم “التقدم” سلّموا الشعوب إلى الاستعمار، والذين يريدون إسقاط إيران اليوم، قد لا يسلمون الشعوب إلى الحرية، بل إلى مرحلة جديدة من التطويع الكامل للقرار والثقافة والسيادة.
الأمر ليس دفاعا عن إيران كنظام، ولا تصفية حساب مع من يعاديها، بل قراءة في صيرورة التاريخ، كل مركز مقاوم للهيمنة يُراد له أن يُكسر، بصرف النظر عن لونه وشكله. وإذا لم نتعلم من دروس المئة سنة الماضية، فسنعيد كتابة السقوط بأقلام الآخرين لا بأقلامنا.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة