يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في السياسة الدولية، لا يُطلق الرصاص دائما من فوهات البنادق، بل كثيرا ما يُطلق من حنجرة دبلوماسي، أو من مقدّمة نشرة، أو من تقرير مؤسسات بحثية تغلّف الرعب بورق مصقول.
إنها “حرب المفاهيم”، حيث لا تُخاض المعركة على الأرض فحسب، بل على الكلمات أيضا، على المعاني التي تُنحت بذكاءٍ شيطاني لتُعمي لا لتُبصّر، وتُضلل لا لتُرشد. فاللغة، في هذا العصر، لم تعد وسيلة تفاهم، بل أداة صراع. كما لم تعد تصف الواقع، بل تعيد صناعته؛ ومن يملك الكلمة الأولى، يملك الرواية، ومن يفرض التوصيف، يُمسك بزمام الشرعية.
انظر كيف تُقدّم الولايات المتحدة والكيان اللقيط مأساة غزة للعالم، لا بوصفها جريمة تدميرٍ ممنهج لشعب محاصر، بل كـ”ملف إنساني” بحاجة إلى “حل إغاثي” و”ترتيبات لوجستية”.
يُقال عن تهجير المدنيين من شمال غزة إنه “إعادة انتشار”، ويُسمّى طردهم من أرضهم “نزوحا ذاتيا”، فيما تُسوّق فكرة إخراجهم من الوطن نحو سيناء أو الأردن تحت عنوان “التهجير الطوعي”. لكن أي طواعية في ظل القصف اليومي والمجاعات المفتعلة وحرمان الناس من الماء والدواء والممرات الآمنة؟. أي خيار حرّ تحت جناح طائرة حربية، أو فوق جثة طفل، أو أمام مستشفى يُقصف وهو يعج بالنازحين؟.
إنه التهجير القسري المغلّف بورق المصطلحات. محاولة بائسة لتجميل الجريمة، لا إخفائها.. وهنا يتجلّى الفارق بين “الحقيقة” و”الرواية”. فبينما يُحرّك الأولى الضمير، تتحكم الثانية بالخريطة.
لم يكن التلاعب بالمفاهيم وليد هذه الحرب، بل هو نهج قديم يُستخدم لإعادة تشكيل الإدراك العالمي. حين احتل الأمريكيون العراق، أسموه “تحريرا”، وعندما دمّرت الناتو ليبيا أسموها “حماية للمدنيين”. وحين تُقصَف غزة، يُقال إنها “يدافع الكيان اللقيط عن نفسه”، وكأنّ أطفال القطاع قنابل موقوتة، أو كأنّ الحصار اختيار شعبي.
في كل مرة، يُعاد تعريف الجريمة بلغة مطواعة. اللاجئ يصبح “نازحا داخليا”، القتل الجماعي يصبح “ضررا جانبيا”، الاحتلال يصبح “إدارة مؤقتة”، والتهجير القسري يتحوّل إلى “خيار إنساني”. هذه ليست مجرد كلمات، إنها أدوات اغتيال للضمير العالمي؛ لأن التوصيف ليس تفصيلا لغويا، بل هو منبع الشرعية ومنصة التبرير. من ينجح في فرض تعريفه، يُملي شروطه، ويمرّر خطته، ويخدع الرأي العام بلسان القانون لا بسوط الجلاد.
هكذا تفعل القوى الكبرى، وهكذا يمضي الكيان اللقيط في استراتيجيته. فتهجير الفلسطينيين من غزة، أو من الضفة، أو من القدس، لا يُقدّم للعالم بوصفه تطهيرا عرقيا، بل كحلّ مؤقت، كـ”ضرورة دفاعية”، كـ”مبادرة أمنية”، وأحيانا، يُروَّج له على أنه “طلب فلسطيني” بالرحيل بحثا عن الأمان. إنها لغة مسمومة تُقدّم فيها الكارثة على هيئة خلاص، وتُغلف فيها الخسارة الكبرى بشعارات كاذبة عن “العيش الكريم” و”المساعدات الدولية”،
إنها حرب المعاني.
وفي هذه الحرب، لا يكفي أن نمتلك الحقيقة، بل علينا أن نُسمّيها، وأن نُدافع عنها بمفرداتنا نحن، لا بمفردات العدو، فالتهجير قسري مهما لبس عباءة “الإنقاذ”.
والصمود ليس “رفضا للتسوية”، بل مقاومة للطمس، وغزة ليست “مشكلة إنسانية”، بل قضية سياسية تتعرض لأبشع أنواع العقاب الجماعي.
ختاما.. في زمن تتحوّل فيه الكلمات إلى طائرات مسيّرة، والمعاجم إلى جبهات، لا بد أن نخوض معركتنا على جبهة اللغة، دفاعا عن المعنى، وعن الإنسان، وعن فلسطين التي لن نسمح أن يُختصر تهجيرها في نشرة أخبار أو أن يُغسل دمها بمصطلح “الطوعي”.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة