مقال| كلنا في المركب نفسه

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في المسافة بين الباب والمكتب، حيث تقف الأنفاس على أطراف الصبر، وتتمدد الأوراق فوق الطاولات كأنها تبحث عن من يوقّع الحياة فيها. يولد شعور خفيّ بأن العلاقة بين طالب الخدمة ومقدمها ليست كما ينبغي؛ ثمة انكسار لا يُرى، وتعب لا يُقال، وشكوى لا تجد صيغة تليق بها، لا أحد في موقع عداء. لا المواطن عدو للوحدات الحكومية الخدمية، ولا الموظف خصم لمن يطرق بابه، لكن الحقيقة تقول إننا نعيش لحظة تَراكمت فيها الفجوات، وتقطّعت فيها خيوط الثقة، بين مَن ينتظر أن تُنجز معاملته “بسرعة وسلاسة”، ومَن يرزح تحت ثقل النظم والتعليمات، ووقع التناقضات.

في كل مرة، يأتي المواطن حاملاً توقّعاته، مدفوعا بأمل أن تكون المؤسسة في خدمته؛ وتستقبله المؤسسة بأدراجها المكدّسة، ومواردها المحدودة، وخطابها البيروقراطي المتأنّي. وبين التطلّع والواقع، يعلو صوت النقد، وقد يُقال على عجَل، وقد يُكتَب بمرارة، وقد يُسلّط عليه ضوء التهكّم بدل فكر التقويم.

وفي المقابل، يرى الموظف نفسه واقفا في مهبّ اللوم، مَنسيا في أي حديث عن ضغط العمل، أو ضبابية القرار، أو الموازنات التي لا تكفي إلا لتسيير يومه لا لتطوير أدائه. فيقف على حافة بين أداء واجبه، والدفاع عن نفسه، دون صوت يروي حكايته. وهنا تكمن الأزمة، حين تُختزل الحكومة في موظف، ويُختزل المواطن في شكوى؛ لا إفراط ولا تفريط.

تلك قاعدة لا تصدأ، تُعلّمنا أن المطالب العادلة لا تعني تحميل المؤسسات ما لا تحتمل، وأن تيسير الخدمة لا يعني تجاوز الضوابط، ولا يعني -في المقابل- الاحتماء بها لتبرير التعطيل.

فمن قال إن النقد البنّاء خطيئة؟.

ومن قال إن التهكّم المتداول على منصات التواصل يصنع حلًا؟؛قد تكون الكلمة أسرع من الفعل، لكن أثرها قد يكون أبطأ مما نظن.. نحن لا نبني وطنًا بتغريدات غاضبة، ولا نُصلح أداءً بالسخرية من وجوه الموظفين. كما أن تحسين الخدمة لا يتم بالجمود الإداري، ولا بالخوف من اتخاذ القرار. ما نحتاجه ليس معجزة، بل وعيا متبادلا؛ أن يدرك طالب الخدمة أن المؤسسة لا تعني “الخصم”. وأن تدرك المؤسسة أن المواطن ليس “المُتعِب”، بل هو جوهر وجودها.

التنمية ليست شعارات، بل سلوك يتكرر، وثقافة تحكم العلاقة اليومية بين الفرد والحكومة. ولا يُمكن أن تُبنى هذه الثقافة على “كثرة التوقّعات” ولا “قلة التفهّم”، بل على نقطة التقاء يتواضع فيها الطرفان أمام مصلحة عليا. اسمها الوطن؛ فلنمضِ إذا نحو علاقة أكثر نضجا، نُخفّف فيها من لهجة التذمّر، ونُعلي من قيمة الاقتراح. نقلّل من الاستعراض، ونكثّف من الإحسان؛ نعترف بالخلل، ونحفظ الاحترام. فما ضاع حق بين حُسن الطلب وجودة الاستجابة؛ وما تعطّلت مؤسسة حين اتزن فيها الأداء مع التوقّعات.

نعم، لا إفراط في التذمّر، ولا تفريط في التغيير؛ ولا إفراط في التهوين، ولا تفريط في التطوير. وما بين الإفراط والتفريط؛ طريق اسمه النضج، فلنسر معا فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*