مقال| الحلم الذي مشى على رمال الخليج

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمن كثرت فيه التكتلات وتكسّرت فيه الروابط، ظل الخليج العربي يروي حكايته بطريقته الخاصة: بلا ضجيج، بلا استعجال، لكن بثبات يشبه ثبات النخلة في وجه الريح.. ومن بين شواطئ اللؤلؤ، ورمال التاريخ، ولدت منذ أربعة وأربعين عامًا فكرةٌ تحوّلت إلى كيان، ثم إلى روح، ثم إلى مصير اسمه.. مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ليس سهلًا أن تجمع بين السيادة والمصير المشترك.. وليس هيّنًا أن تؤسّس وحدة بين دولٍ لكل منها خصائصها، وتاريخها، وهواجسها، وآمالها.. لكن القادة الذين اجتمعوا في أبوظبي عام 1981 لم يجتمعوا ليصنعوا اتفاقًا بيروقراطيًا، بل ليكتبوا فصلًا جديدًا في رواية المنطقة.. أن الخليج قادر على حماية نفسه، وصناعة مستقبله، والتحدث بصوته.

مجلس التعاون لم يكن اتفاقا تقنيا، بل كان وعدًا حضاريًا..

وعدٌ بالتكامل لا التماثل، وبالتآزر لا الانصهار.. وعدٌ أن ما يجمعنا -من دمٍ ولغة، ومن قبائل وأنساب، ومن موانئ متجاورة ونفط مشترك- أعمق من كل ما قد يفرقنا.

خلال أربعة عقود، عبر المجلس صحراء التحديات.. واجه الحروب والاحتلالات، تجاوب مع أزمات الاقتصاد، خاض معارك التنمية، وتحرك في فضاءات الدبلوماسية بحكمة وواقعية.. تنقل من الطموح النظري إلى الإنجاز الواقعي.. من السوق الخليجية المشتركة إلى ربط البنى التحتية، ومن التعاون الأمني إلى المواقف السياسية الموحدة.

لكن الأهم من كل ذلك؛ أنه صمد.. صمد رغم الخلافات العابرة، والتجاذبات السياسية، والأصوات التي شكّكت.. صمد لأن جذوره أعمق من التصريحات، ولأن شعب الخليج يرى فيه شيئًا من ذاته، من تاريخه، من مستقبله الذي لا يُراد له أن يُفتّت.. القادة -أولئك الذين أسّسوا، والذين حافظوا، والذين يجدّدون- لم يكونوا موظفي تحالف، بل صُنّاع رؤية.. نظروا إلى الخليج لا كخريطة، بل كقلب.. أدركوا أن ما نحميه ليس فقط الاقتصاد، بل الهوية.. وما نبنيه ليس فقط مشاريع، بل إرث لأجيال قادمة تستحق أن ترث الخليج وهو قوي، متماسك، مؤمن بذاته.

اليوم، لم يعد كافيًا أن نحتفي بما تحقق.. نحتاج أن نسأل؛ إلى أين نمضي؟.

كيف نحمي إنجازاتنا في عالم يتبدّل بسرعة الضوء؟ كيف نجعل من مجلس التعاون منصة للثورة الصناعية، والاقتصاد الأخضر، والتكامل السيبراني؟. كيف نحوّل التعاون إلى تمكين، والمجلس إلى حاضنة مستقبل؟. إنها ليست ذكرى تأسيس فحسب، بل لحظة تأمل. 

لنسأل أنفسنا، ما الذي نريده من هذا الكيان؟، وهل نحن مستعدون لحمله إلى مرافئ أبعد مما تصوره المؤسسون؟. الخليج يستحق ذلك، وتاريخه يشهد أنه إن أراد.. فعل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*