يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في كل صباحٍ تنبسط فيه الشمس على زرقة بحر عُمان، الخليج، بحر العرب، وتتناثر فيه نسائم البحر على أكتاف الرمل، تصحو الذاكرة من غفوتها، فتتذكّر أن البحر ليس فقط صفحة من ماءٍ ملوّن، بل روحٌ تسكننا، ومرايا نرى فيها انعكاس إنسانيتنا.
شواطئنا، تلك الأهداب الطويلة التي تحدّق بها عُمان إلى الأفق، ليست مجرد هوامش على خريطة الوطن، بل شرايين حيّة تنبض بالحياة والدهشة. فيها نشأنا، وعلى رملها ركضت أقدامنا الطفلة، وبمائها غسلنا أحزاننا وخيباتنا، فكيف نغضّ الطرف اليوم عن ما يُثقل خاصرتها من نفايات، ويخدش وجهها من عبث العابرين؟.
إن نظافة الشاطئ ليست فقط مسؤولية بلدية ولا مهمة موسمية عابرة، بل اختبارٌ يوميٌّ لمدى وعي المجتمع بحقه في الجمال، وبواجبه تجاهه. هنا، تتقدّم المجتمعات المشاطئة كمثالٍ حيّ على هذه العلاقة الوثيقة بين الإنسان والمكان.. فالرمل الذي يفرشه البحر عند أبوابهم، هو كتابٌ مفتوح يكتبون عليه فصول وعيهم البيئي.. وهم، بأفرادهم البسطاء، يشكّلون طليعة المدافعين عن نقاء الشاطئ وسكينة الموج.
وتبرز الفرق الأهلية كأنامل الوطن التي تمسح الأذى عن خدّ الشاطئ، بحملات تنظيف تطوعية، وورش توعوية، وفعاليات تزرع في قلوب الصغار معنى أن يكون المرء ابنًا صالحًا للبيئة.. تلك الفرق، وإن بدت في الظاهر مجرّد مجموعات صغيرة، إلا أنها في الحقيقة نُبَضُ ضميرٍ جماعيّ، يرفض أن تكون الشواطئ ضحية لا مبالاتنا.
ما أحوجنا اليوم إلى إعادة ترميم علاقتنا بالبحر! لا باعتباره مكانًا للترفيه، بل ككائنٍ له حقوق، وكشاهدٍ على ثقافتنا.. فكما نحافظ على نظافة بيوتنا لأننا نسكنها، يجب أن نحافظ على نظافة الشاطئ لأنه يسكن فينا.. البحر يكتب ملامحنا في مائه، فلنحرص أن تكون نقية.
يا أبناء الساحل، يا كل من اغتسل بالملح والضوء، الشاطئ يناديكم لا لتنظفوه فقط، بل لتعتذروا له عن كل قنينة بلاستيكية نسيتموها، وعن كل أثرٍ جارحٍ تركتموه دون انتباه.. فالاعتذار، أحيانا، يكون بأفعال تُصلح، لا بكلمات تُقال.. لتكن شواطئنا مرآة أخلاقنا، لا مكبّ غفلتنا.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة