يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في حركة التاريخ، لحظات لا تُقاس بالبروتوكول، بل تُقاس بعمقها الرمزي.. وزيارة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى مملكة إسبانيا واحدة من تلك اللحظات، حيث لا تلتقي العواصم فحسب، بل تلتقي الحضارتان، ويصافح البحر نفسه من ضفة إلى ضفة. ففي هذا الامتداد بين مسقط ومدريد، لا يسافر الوفد الرسمي وحده، بل يسافر الظل العربي في الأندلس، ويسافر عبق اللبان من ظفار إلى إشبيليا، ويسافر الحنين إلى زمن كانت فيه الثقافة جسرًا، لا جدارا. حين تمشي السياحة على أطراف التاريخ.. ليست السياحة ترفًا في زمن الاقتصاد المتسارع، بل أداةٌ لفهم الآخر، والتصالح مع الذات. وعُمان وإسبانيا، رغم تباعدهما الجغرافي، تتشابهان في العمق التاريخي، والتنوع الثقافي، والانفتاح الذي لا يذيب الهوية بل يُنضجها.
هذه الزيارة تفتح أفقا جديدا للتفكير في السياحة الثقافية، السياحة التي تُنقّب في الذاكرة، وتعيد كتابة الحكايات المشتركة بين مرافئ قديمة وحداثاتٍ تتلمس التوازن.. طريق اللبان؛ ومسار الزيتون. عُمان بحضارتها البحرية، وإسبانيا بإرثها المتوسطي، قادرتان على رسم مسارٍ سياحيٍ لا يشبه الطرق التقليدية. طريق يبدأ من ظلال النخيل في نزوى، ويمر بخطى الأندلس في غرناطة، ويصل إلى موانئ كانت يومًا تنطق بالعربية والبرتغالية معًا.
في زمن تُختزل فيه السياحة أحيانا في الصورة السريعة، تأتي هذه الزيارة لتعيد للسفر روحه، وللعلاقة بين الشعوب عمقها الذي لا تلتقطه العدسات بقدر ما تلتقطه الأرواح؛ من أفق لا يعرف النهايات. لا ننظر إلى زيارة السلطان لإسبانيا كحدثٍ مؤقت، بل كنقطة انطلاق لرؤية أكبر. رؤية تجعل من السياحة جسرًا للحوار، ومن الثقافة مساحةً للتعاون، ومن التاريخ مصدر إلهام لا مزارا جامدا.. في مدريد، التقت عُمان بمرآتها البعيدة؛ وفي الأندلس، تنفست مسقطُ عبقها القديم..
وفي هذا اللقاء، يتأكد أن الأفق لا يُرسم من فوق الخرائط، بل من عمق الإحساس بأن العالم أوسع من أن يُختصر في صفقات، وأجمل من أن يُحكم بلغة المصالح وحدها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة