يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك المصالح، يغدو القرار لحظةً فارقة، لا تحتمل العشوائية ولا تستسيغ التهوّر.. فالقرارات، خاصة تلك التي تمسّ حياة الناس أو توجه مصائرهم، لا تُبنى على الحدس ولا تُلقى من نوافذ المكاتب المغلقة، بل تُستخرج من عيون الواقع، ومن نبضه العميق، إن من لا يُقيّم الواقع قبل أن يُصدر قراره، كمن يضع الخريطة قبل أن يقرأ الطريق.. إذ لا يكفي أن تكون النوايا حسنة، ولا أن تكون الرؤية بعيدة؛ ما لم يُقرَن ذلك بفهمٍ دقيق لما هو كائن، لا لما نتمنى أن يكون.. فالواقع ليس خصماً للخيال، بل بوابته الأولى.
إن التقييم المسبق لا يعني التردد، بل الحكمة، وهو ليس انحناءً للعقبات، بل فطنة في رصدها وتقدير أثرها.. ففي كل قرارٍ يُصدره صاحب مسؤولية، تكمن شبكة من التداعيات، قد لا يُرى خيطها الرفيع إلا لمن تأنّى، وتروّى، وقرأ الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. غير أن الأهم من القرار ذاته، هو ذلك الذي يتلقّاه، فالناس لا يحتجون على القرارات بقدر ما يحتجون على الغموض، وعلى أن يُؤخذوا على حين غرة، وكأنما القرار هبط من غيمة لا يعرفونها، ولا يعرفهم.
إن توضيح القرار لمن يصيبهم أثره، سلباً أو إيجاباً، ليس ترفاً إدارياً، بل جوهر العدالة ومفتاح القبول، حين تفهم الناس لماذا، حتى وإن اختلفوا مع ماذا، فإنهم على الأقل يشعرون بأنهم لم يُقصوا من الصورة، ولا حُرموا من التفسير، وهذا وحده كافٍ أحياناً لامتصاص الصدمة، أو لإضفاء بعض المعنى على الألم.
نحتاج في إداراتنا، بل حتى في حياتنا اليومية، إلى استعادة قيمة الشرح، وأدب التبرير.. لا لندافع عن قراراتنا كل مرة، بل لنقول للناس ببساطة: “رأينا ما أنتم فيه، فاخترنا ما رأيناه أصلح، وإن أصابكم منه بعض عناء، فإننا نتحمّل مسؤولية القرار، لا أنتم”.. القرارات الكبرى لا تُقاس بحدّتها، بل بحكمتها، والحكمة تبدأ من الواقع، وتمرّ عبر التوضيح، وتنتهي عند قلوب الناس.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة