مقال| من صمت التاريخ إلى صوت المستقبل

يكتبه: د. قاسم بن محمد الصالحي|

جاءت زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، إلى الجزائر محملة بدلالات أبعد من البروتوكول، وأعمق من جدول الأعمال؛ إنها زيارة تعبر عن علاقة تتجاوز الجغرافيا، لتصل إلى ما هو أرسخ.. ذاكرة مشتركة، ووجدان سياسي يتقاطع عند ضفاف الحكمة، ونظرة متشابهة إلى العالم في زمن تتسارع فيه التحولات.

لم تكن العلاقة بين عُمان والجزائر يوما علاقة عابرة تُقاس بالمصالح الآنية، بل هي امتداد لخط تاريخي من التضامن والاحترام. منذ أيام الثورة الجزائرية، وقفت عُمان إلى جانب الحق، وكان صوتها من أوائل الأصوات العربية التي نطقت بالحرية للجزائر، لا من باب السياسة، بل من عمق الضمير العربي والإسلامي.

واليوم، تعود هذه العلاقة لتتجدّد على أسس أكثر نضجا وتكاملا، تُغذّيها إرادة سياسية رصينة، ورؤية اقتصادية تستشرف المستقبل، وحوار ثقافي يجد في التاريخ والمبادئ المشتركة أرضا خصبة للنمو. فالبلدان، وهما من أعرق التجارب في الاعتدال والحكمة الإقليمية، يشكلان نموذجا نادرا في القدرة على صياغة مواقف متزنة في عالم مضطرب، وثقافيا، يلتقي البلدان عند مفترق الذاكرة الحيّة. من الشعر العماني الضارب في العمق البحري والجغرافي، إلى الثورة الجزائرية التي أنجبت مدرسة فكرية كاملة في أدب المقاومة والاستقلال. كلاهما يحمل تراثا لا يُستهلك، بل يُبنى عليه، ويُصدر إلى أجيال جديدة تبحث عن هويتها في عالم العولمة.

اقتصاديا، فإن آفاق التعاون بين البلدين واعدة، وقد آن الأوان لترجمتها إلى شراكات ملموسة في مجالات الطاقة المتجددة، واللوجستيات، والتقنية، والسياحة المستدامة، لا سيما وأن الجزائر تتحرك بثبات نحو تنويع اقتصادها، في حين تخطو عُمان خطوات استراتيجية في رؤيتها المستقبلية، القائمة على تمكين الإنسان وتنويع الموارد.

 أما على الصعيد الفكري والسياسي، فإن عُمان والجزائر تقدّمان صوتا عاقلاً في منطقة تشتد فيها الاستقطابات، لا يراهنان على المحاور، بل على الثوابت؛ لا يتورطان في التجاذب، بل يتمسكان بسياسات مستقلة، تدرك أن الكرامة الوطنية لا تتجزأ، وأن الحياد لا يعني الغياب، بل الحضور الفعّال دون انفعال.

زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى الجزائر هي أكثر من خطوة دبلوماسية، هي رسالة أن العرب، إذا اجتمعوا على الحكمة، يمكنهم أن يرسموا لأنفسهم طريقا ثالثا، لا يخضع للاستقطاب، ولا يستسلم للجمود، هي لحظة يُعاد فيها بناء الجسور، لا فقط بين بلدين، بل بين ضفتين من ضفاف العقل العربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*