يكتبه: آمنة بنت محمد البلوشية|
بودكاست “مصعد” ليس مجرد بودكاست، بل هو رحلة عبر الزمن، نرتقي خلالها في مدارج الحكايات، ونغوص في أعماق الذاكرة العُمانية. إنه نافذة تطل بنا على شخصيات صنعت الفارق، وحقب شهدت تحولات كبرى، وتجارب نُسجت من التحديات والإصرار.
من الماضي البعيد، يتناول “مصعد” قصص شخصيات بارزة عاشت وشاركت في بناء الحاضر العماني، وتسلط الضوء على تلك الحقب التاريخية التي كانت تمثل أسسا ثابتة في تشكيل المجتمع العماني كما نعرفه اليوم. من خلال الحوارات الشيقة والممتعة، يسترجع “مصعد” اللحظات التي شكلت معالم هذا الوطن، حيث يتعرف المستمع على الشخصيات التي قد لا يعرفها الكثيرون، لكن آثارهم ما زالت حية في كل زاوية من زوايا عُمان.
يقدم هذا البودكاست نافذة لتاريخ عُمان وتاريخ الإنسان العماني، حيث يعكس التحديات التي واجهها في مجالات مختلفة، وكيف كانت الإرادة والتفاني في العمل سر بقاء هذه القصص حية.
“مصعد” هو ليس مجرد استرجاع للماضي، بل هو أيضًا مجال لفهم كيف ساهمت تلك التجارب في بناء الحاضر العماني الذي نعيشه اليوم. الشاعر مازن الهدابي هو من يقود هذه الرحلة الفريدة، حيث يحاور الضيوف في حوارات شيقة ومؤثرة.
يهدف من خلال هذه الحوارات إلى تسليط الضوء على تاريخ سلطنة عُمان وتوثيق لحظات هامة في مسيرة الوطن. من خلال تلك الحلقات، يتناول البودكاست قصصا حقيقية عن الأشخاص الذين كانوا جزءا من التحولات الكبرى في المجتمع العماني، والذين خاضوا تجارب صعبة غير مرئية غالبا، ليعكسوا قوة عزيمتهم، وإصرارهم على التغيير والبقاء رغم جميع الصعاب. من بين الأسماء التي تركت بصمة واضحة في تاريخ عُمان، كان الدكتور أحمد المشيخي. هو أحد الأسماء التي ساهمت بشكل محوري في تطور الإعلام العماني، خاصة من خلال عمله في جامعة السلطان قابوس، حيث كان يساهم في تحفيز الطلاب وتوجيههم إلى مسارات إعلامية ناجحة.
لم يكن الدكتور أحمد مجرد أستاذ جامعي، بل كان مرشدا وملهما للعديد من الطلاب الذين لم يترددوا في تغيير وجهة نظرهم عن الإعلام بفضل دعمه وتشجيعه. كذلك، لا يمكن تجاهل الدور الثقافي الكبير الذي لعبه زهران الصارمي في التاريخ العماني، حيث كانت رؤيته السياسية والفكرية تحمل طابعًا عميقًا نحو بناء مجتمع متماسك يستطيع مواجهة التحديات السياسية والثقافية.
وقد أدرك الصارمي أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من خلال تعزيز الوحدة الوطنية وحماية المجتمع العماني من أي محاولات لتفكيكه. ومن الشخصيات البارزة التي أثرت في الحياة الفنية العمانية، الفنان صالح زعل، الذي جسّد شخصية “الشايب خلف” في العديد من الأعمال التي تتناول قضايا المجتمع العماني. كان له دور بارز في تطوير المسرح العماني، حيث كان من مؤسسي الدراما العمانية.
لطالما كان صالح زعل يعتقد أن الفن جزءا أساسيا من هوية المجتمع، وسعى مع زملائه إلى تحقيق طموحات الأجيال القادمة في هذا المجال. كان تأثره الكبير بالفنانين الخليجيين مثل عبد الحسين عبد الرضا وغانم الصالح قد ألهمه ليبدأ رحلته الفنية، ما جعل له بصمة واضحة في المسرح العماني. كما لا يمكن إغفال تأثير المهندسة ناشئة الخروصية، التي كانت لها بصمة واضحة في مجال الاتصالات في عُمان، حيث قادت هيئة تنظيم الاتصالات وأسست البناء التحتي لهذا القطاع المهم في السلطنة. وكان لعملها الرائد في هذا المجال تأثير إيجابي كبير على تطور البنية التحتية التقنية في عمان.
أما عن الشخصيات الأدبية، فقد تم استضافة ناصر بن سعيد الرواحي الذي يعتبر “سيبويه عمان”. كان له شغف كبير باللغة العربية منذ صغره، حيث بدأ بتعلم اللغة السواحيلية واكتشف أن 30% إلى 70% من كلماتها تنحدر من العربية. أسس “مدرسة سمائل لبيان لغة القرآن”، التي تحولت لاحقا إلى أكاديمية لتعليم اللغة العربية، ما ساهم في تأسيس قاعدة تعليمية قوية في عُمان وفتح أبوابا جديدة أمام الأجيال القادمة لتعلم اللغة.
من الشخصيات الأخرى التي أثرت بشكل كبير على المجتمع العماني في مجال القانون، المحامي خليفة الهنائي. كان له دور كبير في استثمار أموال الورثة وحل القضايا المتعلقة بها. بالإضافة إلى حكمته في التعامل مع القضايا والاختلافات القانونية التي كان يحلها من خلال التروي والحكمة. وقد أسهمت تجربته مع التدين في كشف خطأ التظاهر بالعلم مما كان له تأثير إيجابي على الفهم المجتمعي.
وأخيرا، من أبرز الشخصيات التي استضافها بودكاست “مصعد” هو الشيخ سعود النبهاني، الذي سلط الضوء على تاريخ المبرهنة وأثرهم الكبير في تطور عُمان عبر الزمن.
ولم يقتصر “مصعد” على تسليط الضوء على الشخصيات المعروفة فحسب، بل أتاح أيضًا الفرصة لاكتشاف شخصيات جديدة، ربما كانت مغفلة عن الكثيرين.
هؤلاء الأشخاص الذين لم يكن لديهم مساحة كافية في الأضواء، ولكن قصصهم وحكاياتهم كانت مهمة في تشكيل التاريخ العماني. استكشاف هذه الشخصيات يعكس تنوع المجتمع العماني وثراء تجاربه، ويجعل من “مصعد” منصة لاكتشاف المزيد عن هؤلاء الذين ساهموا في مسيرة هذا الوطن بطرق غير تقليدية.
بودكاست “مصعد” هو منصة حوار ثقافي غني بالأفكار والتجارب، حيث يروي قصصا عن أشخاص أثروا في حياتنا وفي بناء هذا الوطن.
إن استضافة هذه الشخصيات البارزة من مختلف المجالات تجعل البودكاست رحلة شيقة نكتشف من خلالها تاريخ عمان بأدق تفاصيله وأعمق معانيه. “بودكاست “مصعد” هو صوتٌ محفور في الذاكرة، يخلد قصص الذين صنعوا الفارق، ويقدمها للأجيال القادمة لتظل هذه التجارب جزءًا حيًا من مسيرة سلطنة عُمان.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة