مقال| توزر وأبو القاسم الشابي

يكتبه: حمدان البادي 

 في الطريق الواصل إلى قفصة وتوزر باتجاه الجنوب التونسي كان أسعد البطحري ووائل جسار يشكلان الخلفية الموسيقية لرفاق الرحلة، هذين اللونين الغنائيين اللذين لا يلتقيان، كنت أنصت إليهم وأنا في المقعد الخلفي من دون ان تتاح لي الفرصة في اختيار أغنية على ذوقي ومزاجي في تلك اللحظة، لكن الوقت كان كفيلاً بأن يمنحني الهدوء الداخلي لأتأمل المعالم التي تظهر في طريقنا. 

 لو سألت عن رأيي في تلك اللحظة لاخترت محمد عبده وهو يصدح بأغنية “عذبةٌ أنتِ كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد”، لعلها تكون فاتحة لحديثنا ونحن في طريقنا لزيارة مرتع ومربع أبو القاسم الشابي في مدينة توزر حيث عاش عمراً أطول من عمره، وقد ألهمته الصحراء وواحات النخيل ليكتب لنا “إرادة الحياة” لتكون كلماته عذبة كالطفولة والأحلام وورد الصباح.  

الصدفة وحدها قادتني للجنوب التونسي وتحديدا إلى محافظتي قفصة وتوزر حيث الصحراء وواحات النخيل، قفصة التي قال عنها الإدريسي ” بانها مركز، والبلاد بها دائرة” في هذه البقعة من الأرض كانت هنا حضارة قامت على انقاضها قفصة الحديثة وهي بين جبلين نبتا في واحات الصحراء لذا هما أثمن من الكثير من الجبال في تونس لاحتوائهما على الفوسفات، واحدة من الموارد الطبيعية التي تشكل موارد الدولة. 

 الأحواض الرومانية تشكل جزءاً من تاريخ قفصة وحضارتها حيث الماء شريان الحياة وهي تتذبذب بين الخصب والجفاف، لذا لم تسلم هذه المساحة من صراعات الحرب العالمية الثانية، ولان قفصة وتوزر شهدتا اندماجا وانفصالا في سياق تاريخهما، فقد انطلقنا لزيارة مدينة توزر حيث مرتع ومرابع أبو القاسم الشابي (1090-1935) وطفولته العذبة والأحلام وورد الصباح، المدينة التي ولد ومات فيها على تخوم الصحراء ملهمته لينحت كلمات في سجل الشعر العربي بالرغم من حياته القصيرة، شاعر الشباب الحاضر في ذاكرتهم عبر الكلمة التي نثرها في فضاءات الحياة داعيا للحرية والحياة وقبل ذلك للحب” إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر .. ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر”. توزر واحدة من المدن التونسية التي تفتح ذراعيها للسياح بمختلف مشاربهم وخاصة الأوربيين في الشتاء عبر مطارها الذي يستقبل رحلات مباشرة، وصفها ابن شباط بالجنة “زر توزر إن شئت رؤية جنة.. تجري بها من تحتك الانهار”، وقد نقش هذا البيت الشعري على بوابة المدينة، على اعتبار إن ابن شباط عالم ومهندس ومؤرخ كان له الفضل في تنظيم المياه بحكمة في واحات توزر، لهذا اينما يممت وجهك ستجد الشعر يزين جدران المدينة وطرقاتها واسواقها ومقاهيها حيث تبرز حكمة أبو الشابي وأشعاره في كل أنحاء المدينة.

 وعلى تلك يحرسها نسرا من حديد نحت وجه أبو القاسم الشابي وهو يراقب واحات النخيل والسياح القادمين من مختلف بقاع الأرض، كان وقوفه على هذه التلة باعثاً للإلهام والحرية ليكتب أشعاره ويتأمل في قريته الساحرة بواحاتها الخضراء. وقد نقشت اشعاره على جداريات صنعت من طوب، تزينها أبياته الشعرية من قصيدة ” إرادة الحياة” لتكون من معلقات الشعر في تونس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*