مرافئ | دروس من رحمة السلطان لوقف نشيج المرازيب

بقلم: حمود بن سالم السيابي | حين تزغرد المرازيب في عُمان، وتصهل الوديان والشراج، يطل مذيع نشرة العاشرة يتحدث عن مغامرين خسروا الرهان مع الحياة، وعن نخيل ركعت للعاصفة فطال سجودها ولم تقم للركعة الثانية، وعن بيوت عانق عاليها سافلها وارتطمت مروحة السقف بحقيبة المدرسة وعلبة الألوان .

مشاهد تتوالى وأنا ارقب شارع ” مونكبيرج شتراسيه ” من نافذة الفندق الهامبورجي يغسله المطر والثلج  فتتألق على ضفتيه لافتات “هابنهوف وكاشتاد ويوروباساج واديداس وزارا وسواروفسكي ” وقد ازدادت جمالا، بينما المتسوقون تحت مظلاتهم السوداء وحبات الثلج تغزل معاطفهم الصوفية فتضفي على النهارات الماطرة جمالا من دون أن تنتحب المرازيب، ومن دون أن يطل مذيع قناة ” هامبورج ون ” يتحدث عمن جرفتهم روافد نهر الالب لتبتلعهم أسماك بحر البلطيق.
وحدها مدننا العربية تحترب مع المطر من عُمان إلى تطوان، وفي ذاكرتها سيل العرم ومأرب وسيول أم نشهل وسيول الربوع وجوائح نزوى التي زفت الامام الوارث وسجنائه شهداء للسماء، وجوائح أودية سمائل والعق التي أحالت بدبد الى ” بيت مال ” .
ربما لان مطرنا غير مطرهم، وربما لأن البناة الأوائل أقاموا المدن العربية على ضفاف الأدوية، ولما توسعوا ضيقوا مجاري الأودية، وحين جدبت الأرض وتباعدت مواعيد سقوط الأمطار قنط البعض من رحمة الله فكابروا  وبنوا البيوت في بطون الأودية .
وعُمان واحدة من تلك الدول التى اعتدى بعض أبنائها على الأدوية فجاء جونو ليعيد رسم التضاريس والاحداثيات، ويسجل احتجاجاته على الأرض ويظهر حجم تلك التعديات على الأدوية والشراج .
وبينما “الآي فون” يقطع تأملاتي في فضاء الجمال بهامبورج الثلج والمطر ولافتات الماركات ومصابيح السيارات وباقة الوان العابرين، ويصدمني بمشاهد سوق روي ومستشفى النهضة، لتقفز للذاكرة مشاهد سيد عمان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم ،حفظه الله ورعاه، في جلسة برلمان عمان المفتوح بسيح البركات بعد أصيل معطر بالمزن حيث الأشجار البرية في السيح باكرها المطر من دون موعد، وحصباء المكان ايقظها هدير الرنج الأخضر، اتذكر يومها فبعد ان سلم سيد عمان على أبنائه، هنأهم بالمطر فتوزع الحديث على تفاصيل الأخطار والأضرار، وكيف أن البعض آيس من الرحمة واعتدى على مسارات الأودية فكان تحذير جلالته المغلف بالأبوة بضرورة الوقف الفوري لهذه التعديات، وعدم القنوط من رحمة الله الذي يغيث عباده متى شاء وفي أي مكان يشاء .
وأريح عيني من مشاهد مطر عمان لاسترسل في تأملاتي في هامبورج أو فينيسيا الشمال التي تتحرك مياهها تحت ٢٥٠٠ جسر لتجعلها الأكثر جسورا وقنوات من البندقية وأمستردام، وهي تنام مطمئنة لأنها أمنت للمطر مساراته، وأستعيد مشهدا سلطانيا ثانيا مع المطر حين كان سيد عمان يعبر الطريق بسيارته بين بيت البركة وبهجة الأنظار ففاجأه طابور طويل من السيارات عند وادي شافان فأوقف سيارته، وانتظر ككل المنتظرين فلم يأمر بمروحية تأتيه في دقائق لتنقله جوا إلى صحار، بل آثر البقاء مع أبنائه ليعلمهم الصبر والأناة ويحذرهم من إلقاء الانفس في التهلكة، وأتذكر يومها كيف هزني ذلك  المشهد الذي تلقيته هاتفيا من معالي عبدالعزيز بن محمد الرواس وزير الاعلام، فكان مقالي الافتتاحي بجريدة  عمان بعنوان “ساعتان عند وادي شافان” .
وتنشج مزاريب بيوت مسقط والباطنة ومسندم فأتذكر جونو وأستحضر موقفا ثالثا لسيد عمان وهو يتابع حتى الفجر تقارير الأجهزة وأرقامها المفجعة عن المطر وعن ورود الكثير من رسائل التعاطف العربي والدولي والاستعداد لمد يد العون، وقد ثمنها جلالته ،حفظه الله، وقدر مواقف باعثيها، ولكنه رفض وبشدة قبول المعونات، فوجه بقراءة ما حدث واستخلاص العبر والدروس، وبإعادة إعمار ما هدمه السيل وتعويض المتضررين، مع حرص كريم ألا يجف السيل ولا تجف المآقي قبل أن يكرم شخصيا كل من عاش تلك الليلة معه من مدنيين وعسكريين، فقلدهم في لفتة أبوية كريمة  أغلى أوسمة عمان .
وتأسرني بحيرة “ألستر” وهي تتماوج خلف غيوم هامبورج فأسافر على أجنحة طيورها البيضاء مجددا  وهذه المرة إلى سيح الحايمة في ابرا في مشهد سلطاني رابع حين نزل الوادي وبقيت المياه في مجراه لأيام، فلما مرت سيارة جلالته غاصت اطاراتها ككل السيارات، فتجمع الحضور وبدلا من ان يدفعوها لتمشي رفعوها من تحت الأرض، وكلهم يتمنى ان يفرش اهدابه  لتمشي عليها، كل هذه الدروس السلطانية الندية رحمة وأبوة والتي يحفرها المطر مع تسكبه كل مرة، تستدعي ان نتوقف عندها مليا لنوقف نشيج المرازيب ونحيب الأودية والشراج ولنجعلها تزغرد وتصهل، ونجعل من تسكب المطر سقيا خير ورحمة .
ورغم ان مدن أوروبا تصالحت مع المطر وطبعت أوضاعها معه، إلا أنه مع ذلك تعتريها موجات كارثية مدمرة حين يكون انهمار المطر أكبر من قدرات وسائلها على امتصاصه، فعاصمة الضباب غرقت في الوحل العام الماضي من دون ان يتحمل عمدة لندن المسؤولية، وغرقت بلدات كثيرة في شرق ووسط أوروبا للأسباب ذاتها، بينما نحن نستحصر في الماضي معالي عبدالله عباس لنحاسبه عن غرق الأسواق، ونستحضر في الحاضر معالي محسن الشيخ لنسائله عن غرق مستشفى النهضة.
ورغم أن كل فرد في مواقع المسؤولية لا يعفى من المساءلة، إلا أننا بحاجة لان نعيش قيم مولانا المعظم ونطبقها، فلا نتعدى على واد ولا نجازف بقطع واد .
وتبقى في الختام أنشودة السياب أنشودة كل مطر :
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:
” مطر …
مطر …
مطر ..
مطر “.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*