مقال | بلاغة الداخل

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الخارج عالمٌ يصرخ، وفي الداخل قلبٌ يتوضأ بالصمت. هكذا تمشي عُمان بين الاثنين؛ لا تُخاصم الضجيج، ولا تُقلده. كأنها تعلم أن الصوت العالي يبهت سريعاً، وأن ما يستقر في الروح هو الهمس.

هذه البلاد لا تُعرّف نفسها بما تملك، بل بما تتجنب. تتجنب الانفعال، تتجنب الاستعراض، تتجنب أن تكون رقماً في معادلة صاخبة. منذ أن أرسى المغفور له بإذن الله، السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، معمار الدولة على إيقاع الحكمة، صار الهدوء جزءاً من الهوية، لا خياراً مؤقتاً. ومع جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، ظلّ الخيط ممتداً؛ خيطاً رفيعاً من الاتزان، يشبه دعاءً يُقال في القلب أكثر مما يُعلن على المنبر.

وحين اشتدّ التوتر بين إيران والولايات المتحدة، لم تُبدّل عُمان طباعها. لم تدخل المسرح من بابه العريض، بل جلست في مقعدٍ جانبي، تُصلح ما انكسر بين الكلمات. كانت الوساطة فعلاً داخلياً قبل أن تكون حركةً سياسية؛ إنصاتاً طويلاً، وصبراً يُشبه صبر البحر على المدّ والجزر. هناك، في العتمة التي تسبق الاتفاق، كانت الثقة تُبنى بلا شهود.

الداخل العُماني ليس انغلاقاً، بل عمق. في الأسواق التي تنام باكراً، وفي القرى التي تعرف أسماء بعضها، وفي البيوت التي تُغلَق على طمأنينة المساء، تتشكل فلسفة كاملة؛ أن الحياة ليست سباقاً نحو الضوء، بل سعيٌ نحو السكينة. وأن الدولة، مثل الإنسان، تأخذ من اسمها نصيباً؛ فإذا كان اسمها هادئاً، كان فعلها كذلك.

عُمان لا تلوّح بدورها، لكنها تمارسه. لا تعلن حكمتها، لكنها تعيشها. وفي زمنٍ يخلط بين الحضور والضجيج، تختار أن تكون حضوراً خافتاً، يشبه نبضاً منتظماً في صدر المنطقة. لا يُسمَع كثيراً.. لكنه إن اختلّ، شعر به الجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*