مقال | ما الذي يبقى للإنسان؟.

د. قاسم بن محمد الصالحي |

في زمن الحروب، لا تبدأ المأساة حين تُطلق النار، ولا تنتهي حين تصمت المدافع. إنها تبدأ في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان رقمًا في نشرة، وخبراً عابراً في مساء مزدحم بالأخبار، وتنتهي ــ إن انتهت ــ حين يستعيد الإنسان قدرته على أن يعيش دون أن ينتظر الموت.

في غزة، تتكرر المشاهد حتى يخشى المرء أن يفقد العالم حساسيته تجاه الألم. بيت ينهار، طفل يفقد أحد والديه، أم تبحث في الوجوه عن وجه غاب، وأسرة تتلقى خبراً لا تستطيع الكلمات أن تخفف وقعه. وفي الجهة الأخرى من المشهد، هناك أسرٌ تعيش الفقد ذاته، وإن اختلفت الحكايات والجهات والرايات. وهنا تكمن الحقيقة التي لا ينبغي للسياسة أن تطمسها: الحزن الإنساني لا يحمل جنسية.

ليس في ذلك مساواة بين الوقائع أو إلغاء للفروق السياسية والقانونية والأخلاقية بينها؛ وإنما تذكير بأن وراء كل موقف سياسي بشرًا من لحم ودم، وأن أي نظام دولي يفقد قدرته على رؤية الإنسان في قلب النزاع، يفقد شيئاً من مبرر وجوده.

لقد تغير العالم.

القوة لم تعد موزعة بالطريقة التي عرفها القرن الماضي، ومراكز التأثير تتسع، والتحالفات يعاد ترتيبها، والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية أصبحت جميعها أدوات في إعادة تشكيل النظام الدولي. لكن وسط هذه التحولات الكبرى، يبدو أن هناك سؤالاً قديمًا ما زال ينتظر إجابة جديدة: هل يستطيع العالم أن يجعل الإنسان مركزاً للأمن، بدل أن يكون مجرد موضوع من موضوعات الأمن؟.

وهنا ربما يكون في التجربة العُمانية ما يستحق التأمل.

فالدبلوماسية العُمانية، عبر عقود، لم تبنِ حضورها على ارتفاع الصوت، ولا على توسيع مساحات الخصومة، وإنما على فكرة أكثر هدوءًا وأصعب في آن واحد: أن تظل أبواب الحوار مفتوحة حتى عندما تضيق مساحات التفاهم. فالحياد الإيجابي ليس ابتعاداً عن القضايا، كما أن الحوار ليس تنازلاً عن المواقف؛ وإنما هو محاولة لإبقاء الممكن السياسي حاضراً عندما يبدو المستحيل هو اللغة السائدة.

ومن هذه الزاوية، تنظر عُمان إلى الإنسان قبل أن تنظر إلى الخندق الذي يقف فيه. فخفض التصعيد، واحترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، وفتح قنوات التواصل، ليست أدوات منفصلة في الدبلوماسية، بل حلقات في مفهوم أوسع للأمن: أمن لا يستقر إذا بقي الخوف قائماً في وجدان الإنسان.

وهنا تتجاوز غزة حدودها.

فهي لا تختبر قدرة الأطراف على القتال فحسب، وإنما تختبر قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدارة الأزمات إلى منع تكرارها؛ ومن عدّ الضحايا إلى حماية الحياة؛ ومن البيانات التي تسجل القلق إلى الإرادة التي تصنع التغيير.

والمطلوب اليوم ليس خطاباً إضافياً عن السلام، بل منظومة فعل: حماية حقيقية للمدنيين، وصول منتظم للمساعدات، إعادة بناء ما تهدم، وضمانات سياسية وقانونية تفتح أمام الأجيال القادمة باباً لا يفضي كل مرة إلى الحرب ذاتها.

فالسلام ليس لحظة تصمت فيها البنادق؛ السلام هو أن يستيقظ الطفل في صباح عادي، فلا يعرف لماذا كانت أمه ترتجف حين تسمع صوت الطائرة.

وفي عالم يعاد تشكيله، ربما آن للمجتمع الدولي أن يعيد ترتيب أولوياته أيضًا. فالقوة قد ترسم ميزاناً، والاقتصاد قد يصنع نفوذاً، والدبلوماسية قد تفتح الأبواب، لكن الشرعية الإنسانية هي التي تمنح النظام الدولي معنى يستطيع الإنسان أن يصدقه.

ولعل الرسالة التي يمكن أن تُستخلص من التجربة العُمانية أن الدول لا تحتاج دائماً إلى أن تكون الأعلى صوتاً كي تكون مسموعة؛ فقد يكون أكثر الأدوار أثراً هو ذلك الذي يحفظ مساحة للكلام عندما ينقطع الكلام، ويبحث عن مخرج يحفظ للخصوم ماء الوجه، وللمدنيين حقهم في الحياة، وللمستقبل فرصة ألا يرث أخطاء الماضي.

لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه غزة على العالم ليس من انتصر ومن خسر.

إنه سؤال أعمق، وربما أكثر إلحاحاً في هذا التشكل الدولي الجديد:

حين تنتهي الحرب، هل سنكون قد بنينا سلاماً يستطيع الإنسان أن يعيش فيه، أم مجرد هدنة تنتظر حرباً أخرى؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*