د. ناصر بن علي الجهوري |
يمثل المسرح أحد أهم الفنون الإنسانية القادرة على الجمع بين الثقافة والمعرفة والترفيه والتنمية؛ فهو فضاء لصناعة الوعي، وتعزيز الهوية، وتحفيز الإبداع، وبناء جسور التواصل.
وتؤكد التقارير الدولية تنامي أهمية الصناعات الثقافية والإبداعية، بما يجعل الثقافة شريكاً فاعلاً في مسارات التنمية الحديثة
وفي ظل التوجهات التنموية الحديثة التي تتبناها سلطنة عُمان، تبرز أهمية توظيف المسرح بوصفه قطاعاً ثقافياً واقتصادياً وسياحياً قادراً على تنشيط المحافظات والولايات وتعزيز حراكها التنموي. كما تتوافر فرص واعدة لتوظيفه رافعةً تنمويةً في المحافظات والولايات، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ولا سيما في مجالات الاقتصاد القائم على المعرفة، والصناعات الثقافية والإبداعية، وتنشيط السياحة.
تكمن القيمة الحقيقية للمسرح في الحركة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يصنعها حوله. فعندما يُنظم مهرجان مسرحي في إحدى محافظات السلطنة، لا تتحرك الفرق المسرحية وحدها، بل تنشط معها قطاعات النقل والإقامة والأسواق والإعلام، والإنتاج، والخدمات اللوجستية، وغيرها. وهنا يتحول المسرح من عرض فني إلى منظومة متكاملة تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة وتنعكس إيجاباً على المجتمع المحلي.
وتقدم استضافة مدينة صلالة لمهرجان ظفار الدولي، والمهرجان المسرحي السابع لجامعات ومؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، نموذجاً على قدرة الفعاليات الثقافية والمسرحية على تنشيط الحراك الثقافي والسياحي والاقتصادي.
كما يستطيع المسرح إبراز الخصوصية الثقافية؛ فالمحافظات العُمانية تزخر بقصص إنسانية وتراثية وبيئية قادرة على إنتاج محتوى مسرحي يعكس هوية المكان ويعزز حضوره الثقافي والسياحي. وفي الوقت ذاته، يسهم المسرح في بناء رأس المال البشري والاجتماعي.
وإلى جانب ذلك، يرسخ المسرح قيم الحوار والتسامح والتعاون والمسؤولية المجتمعية، ويعزز الانتماء، ويمثل مدرسة ميدانية للإبداع والابتكار وصقل مهارات الشباب وتأهيلهم للمشاركة في الاقتصاد الإبداعي، بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل والتحولات المتسارعة في الثقافة والتقنية والإعلام. ويمتد أثر الاستثمار في المسرح إلى إيجاد فرص عمل في مجالات الإنتاج الفني وإدارة الفعاليات والتقنيات السمعية والبصرية والتسويق الرقمي وريادة الأعمال الثقافية.
ومن المهم أن تنتقل النظرة إلى المسرح من كونه فعالية موسمية إلى كونه مشروعاً تنموياً مستداماً. ويتطلب ذلك تطوير البنية الأساسية للمسارح في المحافظات، وتوسيع برامج المهرجانات والفعاليات على مدار العام، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والقطاع الخاص، وربط النشاط المسرحي بالبرامج السياحية والاقتصادية والإعلامية، بما يحقق قيمة مضافة للمجتمع ويرفع مردود الاستثمار الثقافي.
إن المستقبل لن يكون حكراً على الاقتصادات التي تمتلك الموارد، بل سيكون أكثر ارتباطاً بالاقتصادات التي تمتلك القدرة على تحويل الثقافة إلى قيمة مضافة، والتراث إلى تجربة، والإبداع إلى صناعة. والمسرح، بما يمتلكه من قدرة على التأثير والإلهام وجمع الناس حول الأفكار والقيم، يمثل جسراً مهماً يمكن أن تعبر من خلاله المحافظات العُمانية نحو تنمية أكثر حيوية وتنوعاً واستدامة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة