د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست الأوطانُ بما تُشيّده من طرقٍ وجسورٍ فحسب، بل بما تحفظه من مقاماتٍ في الذاكرة، وبما تُبقيه حيّاً من أثرٍ في النفوس. فالدولة التي تُحسن قراءة بداياتها، وتُجيد الوفاء لرجالها، إنما تُؤمِّن مستقبلها قبل أن تُشيِّده.
ومن هنا، لا يعود التقاعد نهايةً لرحلة الإنسان، بل تحوُّلاً في موقعه داخل المشهد. يتحرّك من دائرة التنفيذ إلى فضاء الإرشاد، ومن صخب المسؤولية اليومية إلى هدوء الحكمة المتراكمة. إنه انتقال من الفعل المباشر إلى التأثير العميق، لا انسحاب من الحياة ولا انطفاء لدورها.
غير أن هذا التحوّل لا يكتمل إلا بتكامل طرفين: مجتمعٍ يعيد تعريف القيمة، ومتقاعدٍ يعيد تقديم ذاته.
فالمجتمع، بكل مؤسساته وأفراده، مطالب بأن يُصحّح ميزان التقدير؛ أن يفصل بين المنصب والإنسان، وأن يدرك أن الخبرة لا تُحال إلى التقاعد، وأن الذاكرة الوطنية لا تُستبدل كلما تغيّرت الأجيال. احترام المتقاعد ليس مجاملة، بل استثمار في الاستقرار، وحفظٌ لسلسلة المعنى التي تربط الماضي بالحاضر.
وفي المقابل، فإن المتقاعد ليس معفيًا من مسؤولية الحضور؛ بل هو مدعوّ لأن يُعيد صياغة دوره بوعيٍ جديد. أن يخرج من عباءة “الوظيفة” إلى رحابة “الرسالة”، وأن يُقدّم خبرته في التعليم، والتوجيه، والعمل المجتمعي، وأن يكون شاهداً حياً على التحوّلات، لا مجرد ذاكرة صامتة. فالقيمة التي لا تُشارك تُنسى، والخبرة التي لا تُنقل تضمُر.
هذا التكامل هو ما يصنع التوازن: مجتمعٌ يُنصف، ومتقاعدٌ يُبادر.
وحين يلتقي الإنصاف بالمبادرة، تتغيّر المفاهيم تلقائيًا. فلا يعود التقاعد مرادفاً للانتهاء، بل عنواناً للنضج. ولا يصبح الاحترام مشروطًا بالوظيفة، بل ثابتاً بالمسيرة. وهنا فقط، تتشكّل ثقافة جديدة ترى في الإنسان امتداداً لا مرحلة، وفي العطاء سيرةً لا وظيفة.
إن أعظم ما يمكن أن تفعله الأمم لنفسها، ليس فقط أن تُخطّط لمستقبلها، بل أن تُحسن معاملة ماضيها وهو يمشي بين أبنائها. فحين يشعر الإنسان أن أثره محفوظ، وأن كرامته لا تُنتزع بانتهاء منصبه، يزداد انتماؤه، ويترسّخ في وجدان الأجيال أن الوفاء ليس شعاراً، بل سلوك دولة ومجتمع.
وهكذا، تتأكد الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب:
الدول التي تُكرّم بداياتها.. تضمن مستقبلها.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة