مقال| التربية السياحية.. من المعرفة إلى صناعة اقتصاد المستقبل

د. رجب بن علي العويسي|

انطلاقاً من أن الوعي السياحي يتشكل عبر جملة من المرتكزات والأطر والتشريعات والاستراتيجيات والمنصات المعرفية والفكرية والإثرائية التي يتعرض لها الأبناء في حياتهم الدراسية، فإن تشكيل هذا الوعي يمر عبر مراحل ومحطات سمتها التأطير والمهنية والاحترافية والاحتواء المفاهيمي، والتدرج مع الأبناء لغرس هذه الثقافة والفكر السياحي وتجسيده في حياتهم. 

وبالتالي أن لا يكون ذلك فقط في إطار قراءة السياحة على أنها حالة من الاستجمام والتنقل والأمان النفسي والفكري واستحضار الطبيعة والفرص المجتمعية، بل إنها أيضًا مشروع حضاري يقوم عليه الأبناء، بهدف تمكين هذه الفرص من إحداث نمو نوعي في حياتهم الفكرية، لتصبح كذلك مشروعات اقتصادية يعززون من خلالها فرص خدمتهم لوطنهم وتحقيق أمنياتهم ورغبتهم في المشاركة بالتنمية.

إن تجسيد التربية السياحية في بيئة التعلم، وتعميق أثرها في فهم ما وهبه الله عز وجل لهذا الوطن من خيرات عظيمة، وما يمكن أن تشكله السياحة من محطة تحول قادمة في مسيرة التنمية الوطنية، ليؤكد على أهمية إعطاء التربية السياحية موقعها في السلم التعليمي. 

ومع إدراكنا ويقيننا بأن المناهج الدراسية تحتوي على مفردات سياحية كبيرة، سواء على مستوى الدروس الكاملة عن السياحة، أو كذلك إدماج المفاهيم السياحية في الثقافة التنموية التي يتلقاها الطلبة، وأبجديات رؤية عُمان 2040، إلا أن التأكيد هنا على أهمية إيجاد مساقات وبرامج وإطار تعليمي عام يتدرج مع الطلبة في مستوياتهم الدراسية، ويعمق فيهم قيم السياحة ومتطلباتها، والانتقال بهم إلى مرتكزات السياحة العالمية ثم التنافسية السياحية، يؤسس اليوم لمرحلة متقدمة في التربية السياحية للطلبة في المدارس.

من هنا نعتقد بأهمية إضفاء هذه الصيغة التعليمية والتربوية في تدريس السياحة، وحضور مفاهيمها في المناهج والخطط التعليمية، وجعل التربية السياحية إطارًا تعليميًا وطنيًا يقرأ السياحة في تفاصيلها المختلفة، ويوفر المحتوى السياحي التراكمي والتكاملي الذي يحتاجه الطلبة في مختلف المراحل الدراسية، بحيث يصل الطالب إلى المرحلة الجامعية وقد امتلك من المفاهيم والثقافة والفكر والوعي ما يعزز فيه إنتاج وبناء المشروع السياحي وتعظيم أثره في مستقبله.

لذلك، فالمسألة في تقديرنا تتعدى مجرد دروس متفرقة أو ثقافة سياحية، إلى صناعة اقتصاد المستقبل، وهو ما يستدعي اعتماد إطار وطني للتربية السياحية يتم تجسيده في المناهج الدراسية والأنشطة والبرامج والخطط بحسب طبيعة كل مرحلة، والأولويات السياحية التي يُراد للطلبة معرفتها واكتشافها، والانطلاقة منها نحو اكتشاف الميزة التنافسية في المحافظات وإثرائها وتعظيم الانتقال بالوعي السياحي إلى مرحلة تشكيل المشروع السياحي وتجسيد اقتصاد المستقبل والاستثمار فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*