مقال | دبلوماسي يعكس الحكمة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات، وتتداخل فيه خرائط السياسة مع ضجيج القوة، تظل الدبلوماسية الحقيقية هي الفنّ الأندر: فنّ إدارة الممكن لا مطاردة المستحيل. وفي هذا السياق، تبرز مقولة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية: «آلام التنازلات لا تقارن أبداً بآلام الفشل والحرب»، بوصفها خلاصة تجربة سياسية ترى أبعد من لحظة الانفعال، وأعمق من حسابات المكسب والخسارة الآنية.

هذه العبارة ليست ترفاً لغوياً، بل هي تلخيص لفلسفة كاملة في إدارة الصراع، تقوم على إدراك أن الحرب ليست مجرد قرار، بل سلسلة طويلة من الانكسارات الممتدة، وأن الفشل السياسي لا يتوقف عند حدود طرف، بل ينسحب على الإقليم بأسره، ويعيد تشكيل الخرائط والوعي والاقتصاد معاً.

الدبلوماسية، في جوهرها، ليست تنازلاً عن الحقوق، بل ترتيبٌ حكيم لأولوياتها. فالتنازل المدروس قد يكون جسراً لتفادي هاوية، ووسيلة لإعادة إنتاج التوازن بدل الانزلاق إلى الفوضى. ومن هنا، يصبح الألم السياسي للتسوية أقل كلفة بكثير من الألم الوجودي للصراع المفتوح.

في التجربة العُمانية، تتجسد هذه الرؤية بوصفها مدرسة قائمة بذاتها في التعاطي مع الأزمات. فهي لا تنظر إلى السياسة باعتبارها ساحة انتصار أو هزيمة، بل باعتبارها مساحة لخفض التوتر، وفتح النوافذ حين تُغلق الأبواب، وإبقاء قنوات الحوار حيّة حتى في أحلك الظروف.

إن العالم اليوم، المثقل بالصراعات الإقليمية والتحولات الكبرى، بحاجة إلى هذا النوع من الدبلوماسي الذي يقرأ المستقبل بعين الحكمة لا بعين الانفعال. فالتاريخ لا يرحم أولئك الذين يراهنون على الحرب كحل سريع، بينما يمنح الفرص -ولو متأخرة- لمن اختاروا طريق التروي ولو كان مؤلماً.

وفي النهاية، تبقى الحكمة السياسية الحقيقية هي القدرة على إدراك أن بعض التنازلات ليست هزيمة، بل شكلٌ آخر من أشكال الانتصار الهادئ الذي يحمي ما هو أكبر من السياسة نفسها: الإنسان واستقرار الدول.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*