مقال | موسم الورد… بهجةٌ وعطرٌ وعبقٌ واقتصادٌ مستدام

د. ناصر بن علي الجهوري|

في كل عام، ومع اعتدال الطقس وتفتح الحياة في الجبل الأخضر، يعود موسم الورد ليكتب فصلاً متجدداً من الحكاية العُمانية.

تتفتح مزارع الورد على مدرجات الجبال، فتمنح المكان لوحة بصرية آسرة، وتستعيد الذاكرة الجماعية طقوس القطاف (الفتاك) التي توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل. غير أن اللافت في السنوات الأخيرة هو التحول النوعي في تقديم هذه التجربة؛ إذ أصبحت المزارع فضاءات مفتوحة للزوار، يشاركون فيها عملية الفتاك، ويتعرفون على مراحل التقطير التقليدي لاستخلاص ماء الورد.

وساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز حضوره وتوسيع انتشاره؛ فمع انتشار الصور والفيديوهات التي توثق لحظات الفتاك والمشاهد الطبيعية الخلابة، اتسعت دائرة الاهتمام، وأصبح موسم الورد حدثاً منتظراً ضمن روزنامة السياحة العُمانية. هذا الزخم أعاد تشكيل صورة الجبل الأخضر كوجهة سياحية متكاملة، تجمع بين الطبيعة والثقافة والتجربة الحسية.

اقتصادياً، يفتح الموسم آفاقاً واسعة لأبناء الجبل، حيث تتنوع الأنشطة بين بيع الورد ومشتقاته، وتنظيم الجولات السياحية. وتشير بيانات وزارة التراث والسياحة إلى أن إنتاج الورد في الجبل الأخضر يُقدَّر سنويًا بنحو خمسة أطنان، يُستخلص منها كميات من ماء الورد بعوائد اقتصادية تُقدَّر بمئات الآلاف من الريالات العُمانية.

تمثل رؤية عُمان 2040 إطاراً يجعل موسم الورد نموذجاً عملياً لتنويع الاقتصاد الوطني، لا سيما السياحة الزراعية، وتعظيم القيمة المضافة للمنتجات المحلية، وتمكين المجتمعات الريفية من التحول إلى وحدات إنتاجية مستدامة.

وفي هذا السياق، برزت مشاريع شبابية واعدة في تنظيم الرحلات السياحية لموسم الورد، حيث يقود شباب عُمانيون مبادرات لتنظيم جولات متكاملة تشمل النقل والإرشاد والتجارب التفاعلية. وقد أسهمت هذه المشاريع في تعزيز ريادة الأعمال، ورفع القيمة الاقتصادية.

ومع هذا الزخم، تبرز الحاجة إلى ضمان استدامة هذا المورد. فالتحديات البيئية، وعلى رأسها محدودية المياه في بيئة جبلية حساسة، تفرض ضرورة تبني ممارسات زراعية مستدامة، مثل تحسين كفاءة الري والتقنيات الحديثة وإدارة الحشود. ويظل التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية للموسم وتجنب تسليعه تحدياً.

أما اجتماعياً، فيحمل الموسم بعداً إنسانياً؛ إذ يعيد إحياء روح التعاون بين الأهالي، ويمنح الزائر فرصة للاحتكاك المباشر بثقافة المكان وقيمه. فالتجربة هنا تمتد إلى التفاعل والمشاركة.

إن موسم الورد في الجبل الأخضر يمثل نموذجاً وطنياً قابل للتكرار، يبرهن على أن الاستثمار الذكي في التفاصيل المحلية قادر على صناعة قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة. ولتعظيم أثر هذا الموسم يقترح تطوير مسارات سياحية منظمة تربط بين المزارع والتجارب الثقافية، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلسلة قيمة الورد، توثيق التاريخ والمعرفة التقليدية لعمليات التقطير والحفاظ عليها في متحف مصغر، وتعزيز الشراكات بين المجتمع المحلي والقطاعين العام والخاص.

وفي المحصلة، يبقى موسم الورد دعوة مفتوحة لإعادة اكتشاف كنوزنا الطبيعية؛ وعلينا أن نحسن توظيف هذه النعمة فنصنع منها قصة نجاح مستدامة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*