مقال | ما أشبه اليوم بالبارحة.. ولكن!

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في لحظات التحول الكبرى، يميل العقل السياسي إلى استدعاء التاريخ بحثاً عن معنى للحاضر. تبدو المشاهد متشابهة؛ انسحابات تكتيكية، إعادة توزيع للأدوار، صعود قوى إقليمية، ومسارات تفاوض تُدار بصمت خلف الكواليس. فيتسلل السؤال: ألسنا أمام لحظة شبيهة بتلك التي أعقبت أفول النفوذ البريطاني في المنطقة؟.

غير أن التشابه، رغم إغرائه، يخفي اختلافاً جوهرياً. فذلك الماضي كان يُدار من مركز واحد، تُرسم فيه الخرائط وتُوزّع الأدوار بقرار إمبراطوري واضح. أما اليوم، فنحن أمام مشهد أكثر تعقيداً، حيث تتعدد مراكز التأثير، وتتقاطع الإرادات، وتتداخل المصالح على نحو يجعل من المستحيل تقريباً إعادة إنتاج لحظة “رسم نهائي” للإقليم.

ما نشهده ليس خروج قوة عظمى بقدر ما هو تآكل تدريجي لاحتكار القوة، يقابله صعود فاعلين إقليميين يسعون لإثبات حضورهم ضمن معادلة لم تُحسم بعد. وفي هذا السياق، تتحول المفاوضات من أدوات لحل الأزمات إلى ساحات لإعادة تعريف النفوذ، حيث لا يُبحث فقط عن تسويات، بل عن موقع كل طرف في النظام الإقليمي القادم.

هنا تحديداً، تتجلى طبيعة “المخاض” الذي نعيشه. فهو ليس مخاض ولادة سريعة لنظام جديد، بل عملية ممتدة لإعادة ترتيب التوازنات، تختلط فيها السياسة بالأمن، والتفاهم بالردع، والتقدم بالتعثر. لا أحد يملك القدرة على الحسم الكامل، ولا أحد مستعد للتراجع الكامل، فتظل المنطقة معلقة بين احتمالات متعددة، تتقدم خطوة وتتراجع أخرى.

وفي خضم هذا التعقيد، تتراجع فكرة “اللحظة الحاسمة” لتحل محلها فكرة “المسار التراكمي”. فالإقليم لا يُعاد رسمه بقرار واحد، بل عبر سلسلة من التفاهمات الجزئية، والاختبارات المتكررة، وإعادة التموضع المستمر. وكل اتفاق مرحلي، مهما بدا محدوداً، يضيف حجراً جديداً في بناء الصورة النهائية.

لذلك، قد يكون الأصح أن نقول: ما أشبه اليوم بالبارحة.. في الشكل، لا في الجوهر. فالماضي كان يُختصر في قرار، أما الحاضر فيُكتب عبر مسارات متوازية، لا تُفضي إلى نهاية واحدة، بل إلى توازنات مفتوحة على احتمالات متعددة.

وفي عالم كهذا، لا يكون السؤال من يرسم الإقليم، بل كيف يُدار توازنه.. ومن يمتلك القدرة على البقاء فاعلاً حين تتغير قواعد اللعبة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*