سعيد بن بخيت غفرم|
تُعد منطقة الحافة في صلالة واحدة من أبرز الشواهد الحية على التاريخ العمراني والاقتصادي في محافظة ظفار، إذ تجمع في رحابها بين الأسواق التراثية العريقة مثل سوق شاطئ الحافة وسوق اللبان، وبين موقع ساحلي استثنائي يمنحها حضورًا بصريًا وسياحيًا فريدًا. وهذه الخصائص لا تجعل منها مجرد حي قديم، بل موردًا استراتيجيًا يمكن أن يسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد السياحي وتعزيز الهوية الثقافية للمنطقة.
ورغم إدراك هذه الأهمية، فإن مشروع إحياء المدينة التراثية في الحافة لا يزال يواجه حالة من التأخير، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن كثيرًا من هذه المباني قد تجاوز عمره الافتراضي، وأصبح يفتقر إلى المقومات الأساسية التي تؤهله للاستدامة العمرانية أو الاستثمارية، حتى في إطار الترميم.
إن الإشكالية هنا لا تتعلق فقط بحالة مبانٍ متقادمة، بل بطبيعة الرؤية التي تحكم المشروع ككل. فالإبقاء على نهج الترميم الجزئي قد يؤدي إلى إنتاج بيئة محدودة الجاذبية، تظل مرتبطة بسياق موسمي، دون أن ترتقي إلى مستوى الوجهات السياحية المتكاملة القادرة على الاستمرار والتجدد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة أعمق تتجاوز الحلول التقليدية نحو تصور تنموي أكثر شمولاً.
إن إعادة تخطيط الحافة وفق رؤية حديثة لا تعني القطيعة مع الماضي، بل على العكس، تمثل فرصة لإعادة تقديمه بصورة أكثر حيوية وفاعلية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تطوير عمراني متكامل يستلهم الهوية المعمارية الظفارية، ويوظفها ضمن مشاريع سياحية معاصرة تشمل مرافق ضيافة متطورة، ومطاعم ومقاهي بطابع تراثي حديث، إلى جانب ساحات عامة مفتوحة تعزز جودة الحياة وتدعم الأنشطة الثقافية والترفيهية.
كما أن التجارب الدولية في إعادة تأهيل المناطق التاريخية تؤكد أن النجاح لا يتحقق بمجرد الحفاظ الشكلي على المباني، بل عبر إعادة توظيف المكان اقتصادياً وثقافياً بما يضمن استدامته ويعزز من قدرته التنافسية. والحافة، بما تملكه من موقع استراتيجي قريب من البحر والأسواق التقليدية، تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون نموذجاً متقدماً في هذا الإطار.
وفي ظل التحولات التنموية التي تشهدها محافظة ظفار، يصبح من الضروري التعامل مع مشروع الحافة بوصفه مشروعاً استراتيجياً يتجاوز البعد العمراني إلى أبعاد اقتصادية وسياحية وثقافية أوسع. فالمسألة لم تعد خياراً بين الترميم أو الإزالة، بل اختيار بين رؤية محدودة الأثر وأخرى طموحة تعيد صياغة المكان وتمنحه دوراً فاعلاً في المستقبل.
وفي الختام، فإن الحافة اليوم أمام فرصة تاريخية تستدعي اتخاذ قرار واضح وجريء يوازن بين حفظ الهوية والانفتاح على متطلبات العصر، ويحول هذا الموقع الفريد إلى وجهة مستدامة تنبض بالحياة على مدار العام.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة