مقال | مسلسل القافر… نقلة نوعية للدراما العُمانية في الاقتصاد البنفسجي

د. ناصر بن علي الجهوري|

في لحظة فارقة من مسار الدراما العُمانية، يأتي مسلسل القافر بوصفه عملاً فنياً متكاملاً ومشروعاً ثقافياً، يعيد تعريف العلاقة بين الفن والهوية، ويؤسس لتحول نوعي في توظيف الدراما كأداة فاعلة لتعزيز الحضور الوطني.

نجح القافر في جذب المشاهدين، وتقديم نموذج درامي يستلهم البيئة العُمانية: الإنسان، والجغرافيا والقيم والموروث والعادات. فالمسلسل لا يكتفي بسرد حكاية، بل يستحضر روح المكان ويحوّلها إلى صورة بصرية جذابة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الاقتصاد البنفسجي الذي يدمج البعد الثقافي والإبداعي ضمن المنظومة الاقتصادية، حيث تصبح الثقافة مورداً إنتاجياً، والفن أداة لخلق القيمة وتعزيز التنافسية.

تُعد الدراما من أبرز أدوات القوة الناعمة في تشكيل الصورة الذهنية للدول. فقد أسهمت أعمال درامية في تحويل مواقع تصوير إلى وجهات سياحية عالمية.

إن توظيف الدراما في الحراك الثقافي لا يتوقف عند إبراز الموروث، بل يتجاوزه إلى إعادة إنتاجه برؤية معاصرة، تجعله أقرب للأجيال الجديدة والجمهور، ليغدو العمل الدرامي جسراً بين الأصالة والتجديد.

تسهم هذه الأعمال في ترسيخ قيم الانتماء وتعزيز الوعي الجمعي، عبر نماذج إنسانية تعكس عمق الشخصية العُمانية، وتطرح قضايا مرتبطة بالتحولات الاجتماعية، والتفاعل بين الحداثة والأصالة. فالدراما، حين تُبنى على أساس معرفي وثقافي رصين، تتحول إلى أداة تربوية غير مباشرة تسهم في بناء الإنسان وتعزيز وعيه.

ومن أبرز التحولات الانتقال إلى الترويج الإبداعي عبر السرد البصري. فالمشاهد التي توثق الطبيعة العُمانية، قادرة على أن تتحول إلى محفزات حقيقية تدفع المشاهد لاكتشاف هذه المواقع.

وفي إطار تعظيم هذا الأثر، يمكن إطلاق مبادرة ‘مسار القافر’ لتحويل مواقع التصوير إلى وجهات سياحية تفاعلية. كما يمكن تطوير تجارب معيشية (Live Experience) تُمكّن الزوار من معايشة أجواء المسلسل من خلال فعاليات مختلفة، مع إشراك المجتمع المحلي في تقديم الخدمات، بما يعزز الاقتصاد المجتمعي ويوفر فرص عمل مستدامة.

ويمكن تعزيز هذا التوجه عبر إطلاق مسابقة وطنية لكتابة النصوص الدرامية، تستلهم قصصها من طبيعة المجتمع العُماني وثرائه الإنساني، وتستحضر سير الشخصيات المؤثرة من علماء وتجار ورواد، بما يفتح المجال لاكتشاف مواهب إبداعية جديدة، ويؤسس لمحتوى درامي أصيل يعكس الهوية ويواكب تطلعات المستقبل.

إن ما بدأه القافر يجب أن يتحول إلى مشروع مستدام، يقوم على بناء صناعة درامية احترافية، مدعومة بسياسات واضحة، واستثمارات نوعية، وشراكات فعالة. فالمستقبل تصنعه المنظومات المتكاملة لا الجهود الفردية.

يمثل القافر بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة تنطلق إلى فضاءات التأثير الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. عليه، فإننا قادرين على أن نقدم نموذجاً رائداً في توظيف الدراما كأداة للتنمية الشاملة، وصناعة الجذب السياحي، وترسيخ الهوية في عالم سريع التغير.

إنها دعوة لإعادة النظر في الفن، ليس كمنتج ترفيهي بل كقوة ناعمة قادرة على صناعة المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*