مقال | حين تُغري السرديات.. ويختبئ التعقيد

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في أزمنة الاضطراب، لا يبحث الناس عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن قصةٍ تُقنعهم. قصة تربط الأحداث بخيط واحد، وتحوّل الفوضى إلى معنى، وتمنح القلق تفسيراً مريحاً. هكذا تنتشر اليوم سردية تقول إن ما يجري في المنطقة ليس إلا فصلاً من صراع كوني بين أمريكا والصين، وأن كل تصعيد في الشرق الأوسط جزء من خطة لخنق بكين عبر الطاقة.

تبدو الفكرة جذابة؛ منطقية في ظاهرها، متماسكة في عرضها. لكنها، في جوهرها، اختزال مخل لعالم معقد. نعم، هناك صراع حقيقي بين القوى الكبرى، ونعم، الصين تصعد وأمريكا تسعى لاحتوائها. لكن تحويل كل حدث إلى قطعة في خطة واحدة يفترض أن العالم يُدار بعقل مركزي واحد، وهو افتراض يتجاهل حقيقة أساسية: السياسة الدولية شبكة مصالح متداخلة، لا مساراً أحادياً.

الصين، على سبيل المثال، ليست رهينة مصدر واحد للطاقة، بل تعتمد على شبكة واسعة من الموردين والبدائل. وأمريكا، رغم قدرتها، لا تستطيع زعزعة استقرار سوق الطاقة العالمي من دون أن تدفع الثمن داخلياً. أما الشرق الأوسط، فليس مجرد ساحة تُدار من الخارج، بل فضاء تتقاطع فيه إرادات محلية وإقليمية ودولية، تتصادم أحياناً وتتحالف أحياناً أخرى.

خطورة هذه السرديات لا تكمن في كونها خاطئة بالكامل، بل في أنها نصف صحيحة؛ تلتقط جزءاً من الواقع، ثم تضخّمه حتى يطغى على بقية الصورة. وهنا يكمن الوهم: حين يتحول التفسير إلى يقين، والتبسيط إلى قناعة.

ما نعيشه اليوم ليس مؤامرة واحدة، بل تعدد صراعات في زمن واحد: صراع نفوذ، وطاقة، وتكنولوجيا، وسرديات. وفي هذا التعقيد، تصبح التفسيرات السهلة مغرية.. لكنها مضللة.

السؤال الحقيقي ليس: هل التاريخ يعيد نفسه؟.

بل: هل نقرأه بوعيه.. أم نعيد صياغته وفق مخاوفنا؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*