د. قاسم بن محمد الصالحي|
في ذاكرة العرب أمثالٌ ليست مجرد كلماتٍ عابرة، بل خلاصة تجربة إنسانٍ طويلٍ مع الحياة. ومن تلك الأمثال البليغة قولهم: “على نفسها جنت براقش”؛ حكايةٌ صغيرة في ظاهرها، لكنها في باطنها مرآةٌ تعكس أثر الفعل الفردي حين يتجاوز صاحبه ليصيب جماعته كلها.
يُروى أن قوماً احتموا بالصمت حين أحدق بهم الخطر، فكان سكونهم حصناً، وصبرهم نجاة. لكن صوتاً واحداً خرج في غير أوانهاً ظنه صاحبه إعلان أمان، فإذا به دليلٌ يهدي العدو إلى موضعهم. وهكذا تحوّل الصوت الذي أُطلق بلا تقدير إلى صدىً عاد بالخطر على الجميع، فصار المثل شاهداً على أن الخطأ الفردي قد يجرّ على الجماعة ما لم يكن في حسبانها.
تلك القصة القديمة ليست حكاية صحراءٍ مضت، بل درسٌ يتجدد في كل زمان. فالمجتمع، في جوهره، نسيجٌ من الأفعال الصغيرة؛ كلمةٌ تُقال، موقفٌ يُتخذ، قرارٌ يُعلن. وكل فعلٍ فيها يشبه حجراً يُلقى في ماءٍ ساكن، تتسع دوائره حتى تبلغ أطراف البركة كلها. وما يظنه الفرد شأناً عابراً قد يصبح حدثًا تتردد آثاره في حياة مجتمع كامل.
ولذلك كانت الحكمة الاجتماعية تقوم على مبدأٍ بسيطٍ عميق: أن المسؤولية الفردية هي أساس السلامة الجماعية. فليس الفرد جزيرةً معزولة، ولا فعله ظلاً يزول عند حدوده، بل هو جزءٌ من قصةٍ أكبر، وسطرٌ في كتابٍ يكتبه الجميع معاً.
وكم من المجتمعات لم تسقط حين اشتد عليها العدو، لكنها اهتزت حين أخطأ أحد أبنائها التقدير. فالفعل غير المحسوب قد يفتح باباً كان الصمت يحرسه، وقد يوقظ خطراً كان التعقل يرده.
لهذا بقي مثل براقش حياً في الوجدان، يتردد كجرس تنبيهٍ في ضمير الجماعة.
أن الحكمة ليست رفاهية أخلاقية، بل ضرورة وجود؛ وأن الإنسان، حين يخطو خطوةً غير محسوبة، قد لا يسير وحده.. بل يقود وراءه مجتمعاً بأكمله.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة