د. قاسم بن محمد الصالحي|
لم يكن ما نعيشه مجرد أزمةٍ عابرة، بل لحظة ارتجاف كبرى، كأن العالم كلّه كان على متن قطارٍ مندفع، ثم قرّر أحدهم فجأة أن يشدّ المكابح. لم يتوقف القطار، لكنه اهتز بعنف، وكشف لنا كم كانت السرعة تخفي، وكم من الأسئلة تركناها خلفنا على السكة.
لسنوات طويلة، قيل لنا إن العولمة قدرٌ لا يُرد، وإن السوق أذكى من الدولة، وإن الحدود مجرد عائق أمام الازدهار. صدّقنا الحكاية لأن العجلة كانت مغرية، ولأن الوفرة المؤقتة بدت كافية لإسكات القلق. لكن القلق لم يمت، كان فقط ينتظر لحظة الفرملة.
مع أول اختبار حقيقي، تراجع خطاب القيم، وتقدّم خطاب الخوف. كل دولة التفتت إلى مخازنها، وكل مجتمع سأل نفسه: ماذا نملك إذا انقطع الخارج؟ عندها، عادت مفردات ظنناها قديمة: السيادة، الأمن، الاكتفاء النسبي، والداخل الذي لا يجوز تركه مكشوفًا.
الزلزال لم يُسقط العولمة، لكنه نزع عنها قناع البراءة. لم تعد شبكة تعاون بريئة، بل منظومة مصالح قاسية، تكافئ من يملك القوة، وتُحمّل الضعفاء كلفة الاختلال. لم تعد السرعة فضيلة مطلقة، بل خطرًا إن لم تُضبط ببوصلة الوعي.
اليوم، العالم أبطأ، وأكثر حذراً، وأقل ثقة في وعوده القديمة. هذا البطء ليس تراجعًا بقدر ما هو لحظة نظرٍ في المرآة. لحظة ندرك فيها أن الاندفاع بلا توازن يُفقدنا السيطرة، وأن من لا يبني قوته من الداخل، تُطيحه أول فرملة مفاجئة.
لسنا أمام نهاية العالم، بل أمام نهاية وهم. وفي زمن الأوهام المنكسرة، تصبح الحكمة أن نتحرك بثبات، لا بسرعة، وأن نُمسك مقودنا بأيدينا، قبل أن يشدّ غيرنا المكابح مرة أخرى.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة