د. قاسم بن محمد الصالحي|
لا يجيء رمضان كغيره من الشهور، بل يدخل على القلوب دخول المعنى على الكلمة، هادئاً في ظاهره، عميقاً في أثره. هو شهرٌ له نَفَس خاص، تُحسّه الأرواح قبل أن تعلنه المآذن، وكأن الزمن فيه يتخفّف من ضجيجه ليترك للإنسان فرصة أن يسمع نفسه لأول مرة منذ عام.
رمضان ليس امتناعاً عن الطعام والشراب، بل امتناعٌ أوسع عن الفوضى الداخلية. هو صيام الجوارح قبل صيام البطون، وصيام النيات قبل صيام الساعات. فيه يتدرّب الإنسان على أن يؤجّل رغبته، وأن يقدّم روحه على شهوته، وأن يتذكّر أن القيمة لا تُقاس بما نملك، بل بما نضبطه داخلنا.
وشِعر رمضان يتجلّى في التفاصيل الصغيرة: في دعاءٍ خافت لا يرافقه استعراض، في لقمةٍ تُقاسِمها القلوب قبل الأيدي، في سكينة المساجد بعد العشاء، حين يجلس الناس متساوين؛ لا ألقاب، ولا فوارق، ولا صخب. هناك، فقط، يعود الإنسان إلى حجمه الحقيقي.
وما يتوجّب على المجتمع المسلم في استقبال رمضان، أن يستقبله بالعقل كما يستقبله بالعاطفة. أن يكون شهر تهذيب لا موسم استهلاك، وشهر مراجعة لا ساحة سباق. أن تخفّ حدّة الخطاب، ويعلو خُلُق الصبر، وتُحفظ كرامة المحتاج بعيداً عن الضجيج والإعلانات.
رمضان فرصة لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية: أن يقلّ الغضب في الطرقات، وتخفّ القسوة في الكلام، ويُستعاد معنى الرحمة في البيوت وأماكن العمل. فليس من روح الصيام أن نجوع نهاراً ونفترس المعاني ليلاً.
وحين يُستقبَل رمضان بهذا الوعي، يصبح أكثر من شهر عبادة؛ يصبح تمريناً سنوياً على أن نكون بشراً أفضل، لا لأن الشهر يفرض ذلك، بل لأن القلوب تكون أخيراً مستعدة.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة