مقال | حين يصبح الغياب موقفاً

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الأزمنة الهادئة، يبدو الغياب خياراً آمناً، وفي لحظات التحوّل، يتضح أنه موقف مكتمل العواقب، فالعالم لا ينتظر المترددين، ولا يترك الفراغ بلا تفسير، النهج العُماني تشكّل من فهمٍ عميق لهذه الحقيقة؛ أن الحضور لا يُقاس بارتفاع الصوت، وأن الحكمة لا تحتاج إلى استعراض كي تُرى.

هو حضورٌ متزن، يعرف متى يتقدم، ومتى يفسح المجال للصمت المنتج، دون أن يسلّم المعنى لغيره، في التحديات المجتمعية، لا تكمن الخطورة في الأسئلة، بل في أن تُطرح بلا سياق، أو تُترك بلا ذاكرة، فالأسئلة حين تنفصل عن الخصوصية، تتحول من أدوات وعي إلى أبواب مفتوحة على الالتباس، وهنا، لا يكون الصمت فضيلة دائماً، بل مسؤولية مؤجلة، قد تعود أثقل مما نتوقع.

الحضور الواعي ليس إملاءً ولا وصاية، بل مساهمة هادئة في حماية المعنى، إقليمياً، وفي فضاء تتزاحم فيه الاصطفافات، اختارت عُمان أن تكون مساحة اتزان، لا صدىً لصراع الأصوات العالية، لم تكن بعيدة فتُساء قراءتها، ولا منخرطة فتفقد استقلالها، بل قريبة بما يكفي لتفهم، وبعيدة بما يكفي لتحفظ قرارها، ذلك الحضور الهادئ كان فعلاً محسوباً، لا حياداً فارغاً، أما عالمياً، حيث تُدار التحولات بالأفكار قبل الأدوات، فإن أخطر ما يمكن فقدانه هو السردية.

الدول التي لا تشرح نفسها، ولا تحرس صورتها بهدوء، يُعاد تعريفها من الخارج، والانفتاح هنا لا يعني الذوبان، بل الوعي بما نأخذ، وبما نترك، في عالم لا يعترف بالفراغ، الحضور المتزن شكل من أشكال السيادة، والغياب الطويل ليس براءة، بل مساحة مفتوحة للتأويل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*