د. قاسم بن محمد الصالحي|
ليست التحديات التي تعبر المجتمعات كالعابرين في سوقٍ موسمي، بل هي أشبه بدورات الفلك؛ تعود بأسماء جديدة، وتخلع أقنعتها القديمة، بينما الجوهر واحد: اختبار الإنسان في قدرته على حفظ توازنه وهو يمشي على حبل الزمن المشدود بين الخوف والأمل.
وعُمان، وهي تراقب هذا العالم المتقلّب، لا تقف على الهامش، ولا تتقدّم الصفوف صخباً، بل تمضي في مسارٍ خاص، يشبه خطّ السفينة التي تعرف البحر، وتثق بالبوصلة أكثر من ضجيج الأمواج.
منذ البدء، تعلّم العُماني أن الطبيعة ليست خصماً يُهزم، بل معلّماً يُصغى إليه. الجبل لا يُستفز، والبحر لا يُؤتمن على الدوام، والصحراء لا تُعطي إلا من صبر. من هذه الجغرافيا القاسية خرج وعيٌ اجتماعي رصين، يرى في التكيّف حكمة، وفي التدرّج فضيلة، وفي الصمت كلاماً مؤجّلاً لا عجزاً. هكذا تشكّل الإنسان قبل أن تتشكّل الدولة، وتكوّن المجتمع قبل أن تُكتب القوانين.
ومع تعاقب الأزمنة، تغيّر شكل التحدي. لم يعد الجوع وحده هو الخوف، ولا السيف وحده هو التهديد. صار السؤال أكثر تعقيدًا: كيف نحمي المعنى في عالمٍ يفيض بالمعلومات؟ كيف نحافظ على الروح في زمن السرعة؟ وكيف يبقى المجتمع متماسكًا حين تتسارع الخطى، وتتشابه الأصوات، وتضيع الملامح؟
في كل دورة تاريخية، حين تظن البشرية أنها بلغت ذروة المعرفة، تكتشف أنها فتحت بابًا جديدًا للحيرة. الإمبراطوريات سقطت حين نسيت الإنسان، والثورات انحرفت حين استعجلت الخلاص، والتقنيات اليوم تُربكنا لأنها سبقت أخلاق استخدامها. لكن عُمان—بحكمتها المتراكمة—بدت وكأنها تمشي بعينٍ على الماضي، وأخرى على المستقبل، دون أن تفقد موطئ قدمها في الحاضر.
لم يكن الاستقرار العُماني وليد الصدفة، ولا نتيجة غياب التحديات، بل ثمرة وعيٍ جمعي أدرك أن المجتمعات لا تُدار بالاندفاع، وأن الهوية لا تُصان بالانغلاق. هنا، لم تكن الدولة جدارًا يفصل، بل جسرًا يربط؛ ولم يكن المجتمع كتلة صمّاء، بل نسيجًا يعرف كيف يختلف دون أن يتمزّق. لذلك، ظل العقد الاجتماعي غير مكتوب في كثير من تفاصيله، لكنه حاضر في السلوك، وفي الثقة المتبادلة، وفي الإحساس العام بأن الوطن ليس فكرة مجرّدة، بل علاقة يومية.
واليوم، ونحن في قلب دورة عالمية جديدة—اقتصادية، وثقافية، وتقنية—تعود الأسئلة القديمة بثوب حديث. جيلٌ يتطلع إلى العالم، وسوقٌ يضغط بإيقاعه، وقيمٌ تُختبر كل يوم. التحدي هنا ليس في التغيير ذاته، بل في فقدان الميزان. فالتحديث إن لم يُسند بالحكمة، يتحول إلى قطيعة؛ والانفتاح إن لم يُرافقه وعي، يصير ذوبانًا.
التاريخ لا يطلب من المجتمعات أن تكون كاملة، بل أن تكون واعية بدورتها. أن تعرف متى تتقدّم، ومتى تتأنّى، ومتى تُعيد النظر دون أن تهدم نفسها. وفي هذا المعنى، تبدو عُمان وكأنها تكتب تجربتها بالحبر البطيء، لا لأن الزمن لا يضغط، بل لأنها اختارت أن تفهمه قبل أن تُجاريه.
في عالمٍ يعلو فيه الضجيج، قد تكون أعظم شاعريةٍ عُمانية هي هذا الهدوء العميق؛ هدوء من يعرف أن الدورات تمضي، وأن من يصبر على السؤال، يصل إلى الجواب.. ولو بعد حين.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة