مقال | حين تمشي الخوارزميات على الأرض

د. قاسم بن محمد الصالحي|

لم تدخل الخوارزميات حياتنا مع الشاشات الزرقاء، ولا مع الخوادم الباردة. لم تولد في مختبرات وادي السيليكون كما يظن كثيرون. لقد كانت هنا قبل ذلك بكثير، تمشي على الأرض، تُقاس بالخطوة، تُكتب بالحرف، وتُدار بالعقل والعدل. وفي عُمان، عرفها العلماء الأوائل ومارسوها، بينما كان العامة ينظرون إليها بدهشة ممزوجة بالخوف، فيحسبونها سحرًا أو طلاسم، أو قدرة خارقة، كمن يُروى عنه أنه ينتقل من وادٍ إلى وادٍ في طرفة عين، أو يبني فلجًا بين يوم وليلة، كأن الزمن نفسه خضع لنظام محكم لا يُرى.

لم يسمِّ هؤلاء العلماء ما كانوا يفعلونه “خوارزميات”، ولم يحتاجوا إلى الاسم. كانوا يسمونها علماً، وضبطاً، وعدلاً، وعرفاً منضبطاً. لكن جوهر ما صنعوه هو ذاته ما نفعله اليوم حين نكتب شيفرة: تحويل الفوضى إلى نظام، والاحتمال إلى نتيجة، والنزاع إلى قرار.

في علم الخطوة، لم تكن المسافة مجرد أرض تُقطع، بل مسألة تُحسم. خطوات معدودة، بطريقة مشي معروفة، وبحضور عدول، ووفق عرف متفق عليه. مدخلات واضحة، خطوات محددة، قواعد ثابتة، ومخرجات متوقعة: حدّ يُرسم، حق يُثبت، نزاع يُغلق. أليست هذه خوارزمية كاملة؟. لكنها نُفذت بالقدم، لا بالآلة، وبضمير حي، كما تُحكى الحكايات عن رجال ينتقلون بين الأمكنة بسرعة تفوق العادة، أو يبنون فلجاً في ليلة واحدة، فتبدو المعجزة أقرب من النظام نفسه.

وفي علم الحروف، لم تكن الحروف أصواتًاً طائرة في الهواء، بل رموزاً لها وزن وقيمة. بها يُؤرَّخ، ويُقسَّم، ويُرقَّم، ويُضبط المعنى حتى لا ينفلت. كان العالم العُماني يدرك أن الحق إذا لم يُكتب ضاع، وأن المعنى إذا لم يُرمَّز تبعثر. فصنعوا من الحروف نظاماً، ومن الأعداد لغة، ومن الترتيب عقلًا عمليًا لإدارة الواقع.

لكن العامة – كما هو الحال في كل زمان – تخاف ما لا تفهم. وحين يرى الإنسان نتيجة دقيقة دون أن يرى خطواتها، يلوذ بالتفسير الأسهل: سحر، طلاسم، جن. وهكذا أُسيء فهم كثير من علوم الضبط، لا لأنها غيبية، بل لأنها كانت أسبق من وعي عصرها.

المشهد يتكرر اليوم بصورة معكوسة. خوارزميات الذكاء الاصطناعي، التي لا تفعل أكثر من تنفيذ أوامر بشرية مؤرشفة، تُعامَل وكأنها عقول مستقلة أو كائنات واعية. تغيّر الاسم، وبقي السلوك: خوف من المجهول، قداسة للآلة، وسوء فهم لطبيعة العقل المنظّم.

العلماء العُمانيون الأوائل لم يفصلوا بين العقل والأخلاق. كانت خوارزمياتهم أداة عدل، لا أداة سيطرة. تُضبط بالعرف، وتُقيَّد بالمسؤولية، وتُنفَّذ بضمير حي. لم تكن غايتها التنبؤ بالإنسان، بل حفظ حقه. ولم تُستخدم لإدارة الرغبات، بل لتسكين النزاعات.

هنا يكمن الفرق الجوهري بين خوارزميات الأمس وخوارزميات اليوم. الأولى كانت بشرية التنفيذ، محدودة الأثر، واضحة القصد، كما يُحكى عن من ينتقل بين وادٍ وآخر في طرفة عين، أو يبني فلجًا بين يوم وليلة. أما الثانية، فآلية، متخفية، تتراكم دون مساءلة، وتعمل أحيانًا بلا وعي أخلاقي، لأن من صمّمها فصل بين التقنية والحكمة.

حين نعيد قراءة تراثنا بهذه العين، لا نبحث عن مجدٍ ماضٍ نتغنى به، بل عن ميزانٍ نحتاجه اليوم. لقد عرف أسلافنا أن النظام بلا عدل خطر، وأن الدقة بلا أخلاق فتنة، وأن العلم إذا انفصل عن الإنسان انقلب عليه.

الخوارزميات لم تولد مع الآلة. وُلدت يوم قرر الإنسان أن يحكم العالم بخطوات واضحة لا بأهواء غامضة. وما أحوج عصرنا التكنولوجي أن يتعلم من زمن كانت فيه الخوارزمية تمشي على الأرض، أو في طرفة عين تنتقل بين الأمكنة، أو تبني فلجًا بين ليلة ونهار، بلا آلة، بلا شاشة، وبكل حكمة وضمير حي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*