د. ناصر بن علي الجهوري|
لقد غدت السياحة في عالم اليوم سلوكاً مجتمعياً وثقافة يومية تعكس وعي المجتمع، ونضج علاقته بمكانه وهويته. ولم تعد تُقاس قوتها بعدد الزوار أو حجم الإنفاق فقط، بل بمدى تجذرها في السلوك العام، وقدرتها على إنتاج تجربة حضارية متكاملة. وفي هذا الإطار، يبرز الاقتصاد السلوكي كأحد أكثر الأدوات حداثة وفاعلية في بناء ثقافة سياحية مستدامة، عبر التأثير الإيجابي في سلوك الأفراد دون فرض أو إلزام.
يعتمد الاقتصاد السلوكي على فهم الكيفية التي يتخذ بها الإنسان قراراته في الواقع، حيث لا تحكمه دائماً الحسابات العقلانية البحتة، بل تتداخل فيها العادات، والسياق، والانطباعات، والقيم الاجتماعية. ومن هنا، يصبح الاستثمار في السلوك استثماراً في التنمية ذاتها، لأنه يعالج الجذور لا المظاهر، ويؤسس لتغيير طويل الأمد.
تمتلك سلطنة عُمان مقومات سياحية استثنائية، تجمع بين الطبيعة المتنوعة، والعمق الحضاري، والإنسان المضياف. غير أن تعظيم هذه المقومات لا يتحقق بالخطط والتشريعات وحدها، بل ببناء ثقافة سياحية مجتمعية تجعل من المواطن شريكاً واعياً في حماية الموارد، وتحسين تجربة الزائر، وتعزيز الصورة الذهنية للوطن.
وهنا يأتي دور الاقتصاد السلوكي في الانتقال من التوعية التقليدية إلى هندسة السلوك الإيجابي، من خلال أدوات بسيطة لكنها عميقة الأثر، مثل تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه المواقع السياحية، وتحويل السلوك الحضاري إلى قاعدة اجتماعية يتبناها الجميع، وربط الممارسات السياحية بالقيم الوطنية والهوية العُمانية، بحيث يصبح الالتزام نابعاً من القناعة لا الخوف من العقوبة.
ولتعزيز أثر الاقتصاد السلوكي في السياحة، يمكن إنشاء برامج وطنية متكاملة تهدف إلى قياس وتقييم السلوك السياحي عبر مؤشرات محددة، وتقديم تحفيزات ذكية للسلوك الإيجابي، مثل مكافآت رمزية أو تجارب مميزة. كما يمكن دمج هذه البيانات مع التخطيط السياحي الذكي، لتصميم مسارات وأنشطة تراعي الثقافة المحلية وتحافظ على البيئة، مع مراقبة التحسينات المستمرة لضمان استدامة التأثير وتحويل الوعي إلى ممارسة ملموسة.
ويمكن توضيح ذلك من خلال مثال واقعي؛ إذ تعد المواقع الطبيعية المفتوحة، كالأودية والجبال والشواطئ، من أبرز عناصر الجذب السياحي في سلطنة عُمان، وفي الوقت ذاته من أكثرها حساسية للسلوك البشري. وقد لوحظ في عدد من هذه المواقع تحسن ملحوظ في سلوك الزوار عند اعتماد أساليب توجيه غير مباشرة، مثل استخدام لوحات إرشادية ذات رسائل إيجابية تعزز الانتماء، كالتأكيد على أن المحافظة على المكان تعكس وعي الزائر وأخلاقه، إضافة إلى تصميم مسارات واضحة للزيارة تقلل من العشوائية وتحد من الإضرار بالبيئة، وإشراك المجتمع المحلي في تقديم التجربة السياحية، بما يعزز الرقابة الذاتية لدى الزائر ويوجد تفاعلاً إنسانياً مباشراً.
وتنسجم هذه الممارسات مع تجارب عالمية؛ حيث تشير تقارير فريق الرؤى السلوكية البريطاني (Behavioral Insights Team) إلى أن استخدام الرسائل السلوكية القائمة على القواعد الاجتماعية أسهم في رفع مستوى الالتزام بالسلوك المطلوب بنسبة تصل إلى 15% مقارنة بأساليب التوعية التقليدية، دون الحاجة إلى تشريعات إضافية أو تكاليف تشغيلية مرتفعة، وهو ما يعكس كفاءة هذا المدخل في إحداث تغيير مستدام.
ولا يقتصر أثر الثقافة السياحية على السائح وحده، بل ينعكس على سلوك المواطن ذاته، إذ تسهم السياحة الواعية في تعزيز احترام النظام والمكان العام، ورفع مستوى الذوق العام والسلوك الحضاري، وتعميق الشعور بالفخر بالهوية الوطنية، بما يحول السياحة إلى مدرسة سلوكية مفتوحة للمجتمع.
وفي هذا السياق، يتقاطع تفعيل الاقتصاد السلوكي في القطاع السياحي بشكل مباشر مع رؤية عُمان 2040، لا سيما في محوري المواطن والمجتمع والاقتصاد والتنمية، حيث تؤكد الرؤية على بناء إنسان واعٍ ومسؤول، وتعظيم الاستفادة المستدامة من الموارد الطبيعية والثقافية، وتحويل السياحة إلى أحد الروافد الاقتصادية الواعدة القائمة على الكفاءة، والاستدامة، والسلوك الحضاري.
إن بناء ثقافة سياحية راسخة في سلطنة عُمان ليس مشروعاً مرحلياً، بل مسار وطني طويل الأمد. وعندما يفعل الاقتصاد السلوكي ضمن رؤية متكاملة، تتحول السياحة من قطاع اقتصادي إلى منصة حضارية تعكس قيم المجتمع، وتعزز مكانة الوطن، وتضمن استدامة موارده للأجيال القادمة. ويبقى نجاح هذا التوجه مرتبطاً بقدرته على تحويل الوعي السياحي إلى سلوك ملموس قابل للقياس، من التزام الزوار بالمكان إلى جودة تجربة السائح.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة