د. قاسم بن محمد الصالحي|
يصل الشاب إلى عتبة الحياة العملية كما يصل المسافر إلى محطة مزدحمة؛ ضجيج، وجوه متشابهة، لوحات تشير إلى اتجاهات كثيرة، ووقت لا ينتظر أحداً. هناك، لا يكون السؤال: أين أذهب؟. بل: أيّ طريق يشبهني، وأيّها سيُبقيني واقفًا بعد الوصول؟.
العمل في جوهره ليس وظيفة تُنال، بل أثر يُترك. بعضهم يبدأ الطريق مبكراً، وبعضهم يتأخر، لكن الفارق الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بما يحمله كل واحد في داخله وهو يمضي. قد تتشابه البدايات، لكن النهايات لا تتشابه أبداً، لأن ما يُصنع في الداخل يسبق دائمًا ما يظهر في الخارج.
المعنى لا يُكتب في إعلان توظيف، ولا يُسلَّم مع عقد عمل. المعنى يتكوّن بصمت، من علاقة الإنسان بما يفعل، وبما يقبل أن يفعله. قد يكون العمل بسيطاً في شكله، لكنه كبير في أثره حين يُؤدّى بوعي، وقد يكون لامعًا في اسمه، فارغاً في روحه. هناك من يعمل كثيراً ولا يشعر أنه موجود، وهناك من يعمل قليلًا لكنه حاضر بكامل ثقله.
الهدف يظهر لاحقاً، لا فجأة. يتشكل مثل خط في الأفق، كلما تقدّمت خطوة ازداد وضوحاً. ليس الهدف منصباً يُلاحَق، ولا رقماً يُحقَّق، بل اتجاه يُبقي الطريق متماسكاً. حين ينفصل الهدف عن المعنى، يتحول إلى عبء؛ وحين يرتبط به، يصبح باعثًا على الاحتمال، حتى في أصعب الأيام.
أما الوسيلة، فهي الحكاية التي لا تُروى كثيراً، هي تفاصيل الطريق، وما يُتنازل عنه، وما يُحافظ عليه. هي اللحظات الصغيرة التي يختار فيها الإنسان بين الأسهل والأصدق، بين الأقرب والأليق. الوسيلة ليست محايدة؛ إنها تترك أثرها على صاحبها، كما يترك الطريق غباره على المسافر. بعض الطرق توصلك سريعًا، لكنها تستهلكك، وبعضها يتأخر، لكنه يُبقيك سليماً.
في كل مرحلة، تُفتح أبواب، ليست كلها متشابهة. بعضها واسع لكنه بلا ضوء، وبعضها ضيق لكنه يقود إلى مساحة أرحب. ليس كل ما يُتاح يستحق أن يُسلك، وليس كل ما يُرفض خسارة. الفارق الدقيق بين الخيار والاختيار هو الفارق بين العيش بردّ الفعل، والعيش بالفعل.
كثيرون يبدؤون من الخارج: راتب، عنوان، استقرار شكلي. ثم يكتشفون لاحقاً أن الداخل كان مؤجَّلاً، وأن السنوات مرّت دون أن يشعروا بأنها أضافت إليهم شيئاً. ليس لأن الطريق كان خاطئًا بالضرورة، بل لأنهم لم يعرفوا متى كان يجب أن يكون محطة، لا مقراً دائما.
العمل، في حقيقته، مدرسة طويلة. يعلّم الصبر لمن يصغي، ويكشف النفس لمن يتأمل، ويفضح الوهم لمن يندفع بلا سؤال. لا تجربة تضيع تماماً، لكن بعضها يُثقل إن طال المقام فيها أكثر مما ينبغي. الحكمة ليست في تجنب الخطأ كلياً، بل في ألا يتحول الخطأ إلى إقامة.
وهكذا، تُنسج الحياة التي يُؤمَل عيشها بهدوء، لا بضربة واحدة. تُبنى من محاولات، ومن تصحيحات، ومن قدرة على التمييز بين ما يمرّ وما يستحق البقاء. يصل البعض متأخرين، لكنهم يصلون كاملين. ويصل آخرون مبكرين، لكنهم يكتشفون أن شيئاً منهم قد تخلّف في الطريق.
في النهاية، ليست القيمة في سرعة الوصول، بل في أن يصل الإنسان وهو لا يزال يعرف نفسه، ويعرف لماذا سار، ولماذا توقّف، ولماذا سيواصل.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة