مقال | عُمان بين التحدي والتحوّل والسياحة الهادئة

د. قاسم بن محمد الصالحي|

في الأزمنة الرمادية، لا تُقاس قوة المجتمعات بقدرتها على الصراخ، بل بقدرتها على الفهم. وعُمان، وهي تعبر أحد أكثر مفاصل التاريخ العالمي التباساً، لا تواجه سؤال البقاء، بل سؤال التحوّل الهادئ: كيف نغيّر دون أن ننكسر؟. وكيف ننفتح دون أن نفقد أنفسنا.

التحديات التي تطل برأسها اليوم ليست غريبة على المجتمعات، لكنها في عُمان تأخذ شكلًا مختلفًا. ليست أزمة موارد، ولا نقص فرص، بل اختباراً عميقاً في إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والدولة، وبين القيم والتنمية، وبين المكان ومعناه. فالمجتمع الذي اعتاد الاستقرار الطويل، يُطلب منه اليوم أن يتقن فن الحركة دون فوضى، وأن يتعلم العمل دون قلق، وأن يثق بأن التحوّل ليس نقيض الطمأنينة.

الهدف الحقيقي من مواجهة التحديات ليس الهروب منها ولا التهوين من شأنها، بل توجيهها. فكل مجتمع لا يحدد هدفه بدقة، يصبح فريسة لتشخيصات سطحية، تلهيه عن الجوهر. والجوهر في الحالة العُمانية هو الإنسان: وعيه، إنتاجه، سلوكه، وانعكاس ذلك على صورة الوطن في الداخل والخارج.

هنا تحديداً، لا يمكن فصل الاجتماعي عن الاقتصادي، ولا الثقافي عن السياحي. فالسياحة ليست قطاعًا ترفيهيًا، بل مرآة للمجتمع. السائح لا يأتي فقط ليرى الجبال والبحار، بل ليشعر بروح المكان، بأمانه، بأخلاق ناسه، وبسلاسة الحياة فيه. وحين يختل التوازن الاجتماعي أو القيمي، تنكسر هذه المرآة، مهما بلغت فخامة الفنادق أو براعة الحملات الترويجية.

المطلوب من الفرد العُماني في هذه المرحلة ليس فوق طاقته، لكنه أعمق من مجرد الامتثال. المطلوب هو الانتقال من عقلية المتلقي إلى عقلية الشريك؛ شريك في العمل، وفي الحفاظ على صورة الوطن، وفي استقبال العالم بثقة لا بتوجس. فالسياحة – كما التنمية – تبدأ من السلوك اليومي: من احترام الوقت، وإتقان العمل، وحسن التعامل، والإيمان بأن كل فرد هو سفير غير معلن لعُمان.

أما ثقافياً، فالتحدي أدق. عُمان لا تحتاج إلى أن تشرح نفسها للعالم بقدر ما تحتاج إلى أن تفهم نفسها في زمن متغير. الثقافة هنا ليست مهرجانات عابرة، بل سردية متماسكة تقول للآخر: نحن لسنا نسخة من أحد، ولسنا حالة منغلقة، بل تجربة إنسانية متوازنة. والسياحة الثقافية، حين تُبنى على هذا الفهم، تتحول من نشاط اقتصادي إلى قوة ناعمة تحمي الهوية بدل أن تستهلكها.

اقتصادياً، لم يعد مقبولاً أن تُحمَّل الدولة وحدها عبء التحوّل. فاقتصاد السياحة، كما غيره، لا ينهض بالقرارات فقط، بل بالعقول الشابة، والمبادرات المحلية، والقطاع الخاص الذي يرى في الاستثمار طويل الأمد قيمة لا مغامرة. عُمان لا تحتاج إلى سياحة صاخبة، بل إلى سياحة ذكية: قليلة الضجيج، عالية الأثر، تحترم المكان وتُشرك الإنسان.

أما القيم، فهي العمود الفقري لكل ذلك. النزاهة، والاحترام، والإتقان، والهدوء؛ هذه ليست خصال أخلاقية مجردة، بل عناصر جذب سياحي، وأسس تنمية مستدامة. فالسائح، كما المستثمر، يبحث عن بلد يمكن الوثوق به قبل الإعجاب به.

في النهاية، عُمان لا تنافس العالم بضخامتها، بل بإنسانها. وحين يصبح الإنسان هو الوجهة، تتحول التحديات إلى مسار، والتحوّل إلى فرصة، والسياحة إلى حكاية تُروى.. لا تُباع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*