د. قاسم بن محمد الصالحي|
يقول المثل الشعبي: “اللي يقبض في باطين ما يطيح”، ولم يكن هذا القول وليد خوفٍ أو شُح، بل ثمرة تجربةٍ طويلة مع الطرق الوعرة، ومع الحياة حين تميل فجأة ولا تُنذر. هو مثلٌ قيل لمن يعرف أن السلامة لا تكون دائمًا في الانطلاق، بل أحيانًا في التمهّل، ولا في فتح الكف، بل في إحكامها في اللحظة الصحيحة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة ما تعيشه عُمان اليوم في مسار رؤية عُمان 2040. فالكثير مما أُسيء فهمه بوصفه تضييقاً، لم يكن سوى قبضة حكمة في زمنٍ عالميٍّ لا يرحم المترددين، ولا يجامل من يتركون أقدامهم بلا تثبيت.
المال، حين يُدار بلا رؤية، يتحول إلى وهم راحة. وحين يُدار بعقلٍ بارد، يصير أداة أمان. وما فعلته الدولة خلال السنوات الماضية هو أنها اختارت الطريق الأصعب نفسياً، لكنها الأكثر أماناً تاريخياً: أن تُعيد ترتيب البيت قبل أن تفتح نوافذه، وأن تُحصّن الأساس قبل أن تُزيّن الواجهة.
ندرك تماماً أن المجتمع يشعر أحياناً بثقل المرحلة، فالشدة حين تطول تُتعب، وحين لا تُشرح تُقلق. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح وهدوء: ما نمر به ليس زمن حرمان، بل زمن تهيئة. ليس قطعًا للطريق، بل اختيارٌ لمساره الأقل كلفة على الأبناء، وإن بدا أثقل على الآباء.
رؤية عُمان 2040 لا تنظر إلى سنةٍ مالية، ولا إلى دورة نفط، بل إلى وطنٍ بعد عقدين. تنظر إلى اقتصاد لا تهزه الأسعار، ولا تربكه الأزمات، ولا تُفاجئه التحولات. ولهذا كان لا بد من قبضة في الباطين: ضبط للإنفاق، ترتيب للأولويات، وربط للمال بالإنتاج لا بالعاطفة.
اللي يقبض في باطين، لا يفعل ذلك لأنه يخاف السقوط فقط، بل لأنه يعرف أن الطريق أمامه أطول مما يبدو. وهذا ما يُراد للمجتمع أن يطمئن إليه: أن هذه القرارات لم تُتخذ ضد الناس، بل من أجلهم. لم تُصمم لتضييق العيش، بل لحمايته من انهيارٍ مفاجئ، ومن فواتير مؤجلة كانت ستدفعها الأجيال القادمة مضاعفة.
الصورة الكبرى، التي قد لا تُرى الآن كاملة، هي صورة دولة تُمسك نفسها من الداخل، كي لا تُمسكها الظروف من الخارج. صورة اقتصاد يتنفس بهدوء بدل اللهاث، ومجتمع يتعلّم أن الاستقرار لا يُقاس بالوفرة اللحظية، بل بالقدرة على الصمود.
وسيأتي يوم، حين تنقشع غبرة هذه المرحلة، وتهدأ المخاوف، وتبدأ الثمار بالظهور، يُعاد فيه فهم هذه اللحظة. سيُقال عندها: هنا شدّت عُمان قبضتها، فنجت. هنا اختارت أن تُمسك جيداً، لا أن تُسرف في الاطمئنان. هنا آمنت بأن الشدة العابرة أهون من سقوطٍ طويل.
فاطمئنوا.. ما دامت القبضة في الباطين محكمة، فالطريق -مهما طال- لن يكون طريق سقوط.
جريدة وجهات أول جريدة عمانية مختصه بالسفر و السياحة